بسم الله الرحمن الرحيم
نيجيريا وبوكو حرام: الشجرة
المحرمة صراع الأكل والاجتثاث
-
رزئت
نيجيريا – ضمن أرزائها الكثيرة وبسبب منها – بحركة بوكو حرام. وهي حركة تمثل
التجلي الأسوأ لنسقين من أنظمة النزاع المسلح السائدة في العالم اليوم. النسق
الأول هو نسق النزاع المسلح في دولة ما بعد الاستعمار، حيث ينطلق النزاع من ثلاثية
تضارب الهويات داخل الدولة وغياب المشاركة العادلة في السلطة واختلال توزيع
الثروة. فمنذ نهاية الحرب الباردة حدث تحول جذري في أنساق النزاعات المسلحة في
العالم حيث صارت النزاعات المسلحة داخل الدولة (intra- state ) تمثل الأغلبية الساحقة من
الحالات في مقابل النزاعات بين الدول (inter-state) والتي صارت نادرة.
أما
النسق الآخر فهو نسق الإرهاب المعولم عابر الحدود، وهو ظاهرة مثّل تنظيم القاعدة
تجليها الأكبر الذي تناسلت منه بقية التنظيمات والمجموعات لاسيما بعد ضرب مركز
قيادته في أفغانستان ثم باكستان ليفرخ تنظيمات القاعدة في بلاد الرافدين وجزيرة
العرب والمغرب الاسلامي إلى آخر العنقود المتمثل فيما بات يعرف بالذئاب المنفردة
وخلايا الرجل الواحد.
لم
يقتصر الأمر على أفرع القاعدة إذ حذت كثير من الجماعات حذوها في كل أرجاء العالم
مثل داعش في العراق والشام وجبهة النصرة في سوريا والشباب في الصومال والتوحيد
والجهاد في غرب افريقيا وأنصار الشريعة في ليبيا وأنصار الدين في مالي وبوكو حرام
في نيجيريا، ويتهدد الوباء كل دول العالم الاسلامي من طنجة إلى جاكارتا بحسب تعبير
مالك بن نبي.
ولا
شك أن لهذه الظاهرة أسباباً موضوعية أهمها الاستبداد الداخلي وغياب العدالة
الاجتماعية والتخلف الاقتصادي والاجتماعي والهيمنة الأجنبية والظلم الحائق بالشعب
الفلسطيني، إضافة لأسباب ثقافية أهمها الجمود الفكري الذي ضرب العالم الاسلامي
وبروز سلفية متحجرة نافية لروح الدين
وجوهره الروحاني العقلاني المتسامح ورسالته الايجابية الداعية لإعمار الأرض وبث
الهداية بعيدا عن الجبر والإكراه.
إذن
بوكو حرام مظهر لكلا النسقين فهي مظهر من مظاهر المشهد العام في العالم الاسلامي
اليوم كما أنها مظهر من مظاهر الأزمة الوطنية النيجيرية.
لا
ريب أن نيجيريا بلد ضخم له تأثيره الكبير في محيطه الافريقي، ولا شك أن مآلاته
تنعكس بقوة على ذلك المحيط لا سيما في غرب ووسط أفريقيا.
فنيجيريا
أكبر دول القارة سكاناً ( 170 مليوناً) ومن أغناها من حيث الموارد حيث تحتل المركز
السادس في إنتاج النفط العالمي والرابع في إنتاج الكاكاو والسادس في إنتاج الموز
والثامن في إنتاج الخشب كما تنتج الغاز الطبيعي.
شهدت
نيجيريا طفرات مكنتها من سداد ديونها لنادي باريس في 2006 وأزاحت دولة جنوب
افريقيا واحتلت مكانها كأضخم إقتصاد في القارة في تصنيف مفوضية الأمم المتحدة للإحصاء
في أبريل المنصرم. ومن المتوقع أن تدخل نادي العشرين الكبار في 2020 إذا جرت
الرياح بما تشتهيه سفنها.
بل
لقد أدخلها عالم الاقتصاد ( جيم أُونيل) الذي صك مصطلح البريكس (BRICS) - وهي
دول البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا – في زمرة الدول التالية للبريكس
وهي دول المنت (MINT) المكسيك
وإندونيسيا ونيجيريا وتركيا حيث يتوقع أن تنطلق هذه النمور الاقتصادية في السنوات
القادمة بقوة نحو صدارة الاقتصاد العالمي.
كل
هذه الامكانيات الضخمة والأماني الهائلة تهددها مخاطر حقيقية قد تطيح بالدولة
القومية في نيجيريا نفسها.
أول
مكامن الخطر على نيجيريا يأتي من ضعف الانصهار القومي حيث عاشت أقاليمها الثلاثة
الكبرى تاريخياً في كيانات منفصلة لم تتوحد إلا في ظل الاستعمار البريطاني عام 1914.
ومما فاقم التنافر العرقي في نيجيريا تطابق خطوط التمايز الديني مع العرقي، فلم
يلعب الدين دوراً موحِّدا بين إثنيات الهوسا والفولاني المسلمة في الشمال والإيبو
في الجنوب الشرقي واليوروبا في الجنوب الغربي وكلا الأخيرتين تدين بالمسيحية.
ومع
الإختلاف الديني والإثني بين الجنوب والشمال هناك إختلافات أهمها غنى الجنوب
بالموارد مقارنة بالشمال ، فبينما يشعر الشماليون بالفوارق التنموية يشعر أهل
الجنوب أنهم لا يستفيدون من الثروات التي تنتجها أراضيهم وهذا هو سبب الإضطرابات
الحالية في دلتا النيجر. وينضاف لذلك إختلاف التطور الاجتماعي والاقتصادي بين
الاقليمين: حيث كان رفض الشمال مطلقاً للاستعمار البريطاني فلم ينخرط أبناؤه في
التعليم والمؤسسات الاستعمارية عكس أبناء الجنوب الذين كانوا أكثر تسامحاً مع
الحكم البريطاني فكسبوا ميزة التعليم والتدرب على وظائف الحكم والإدارة والخدمة
المدنية. وبقي هذا الإختلال حتى يومنا هذا حيث لا تزيد نسبة تلاميذ الشمال عن 10%
في التعليم الإبتدائي و5% في التعليم الثانوي، ومن جملة ألف طالب بجامعة إبادان
كان طلاب الشمال 57 طالباً. وتنعكس هذه النسب بالتأكيد على الوظائف العليا في
الدولة.
وهناك
إختلاف ديمغرافي مهم وهو كثافة سكان الإقليم الشمالي وقد لعب هذا العامل دوراً
مهماً في تحديد نوع الحكم حيث يستفيد الشمال من ميزة النظام الديمقراطي في الوصول
للسلطة وإعادة هيكلة الدولة بما يزيل الإختلالات التي يراها الشماليون. ولذلك لم
يكن مستغرباً أن يثير الإحصاء السكاني في 1962- 1963 قلاقل واضطرابات كبيرة
لارتباطه مباشرة بالصراع على السلطة والثروة بين الهويتين. وهو النزاع الذي أفرز
مبكراً الحرب الأهلية الإنفصالية في إقليم بيافرا 1967- 1970.
ولم
يعجز الدين وحده في لعب أدوار موحدة للهوية والقومية النيجيرية إذ عجزت
الأحزاب السياسية كذلك عن لعب هذا الدور
حين قامت منذ البداية على الاثنية والمناطقية
وصارت معبرة عن مصالح الاثنيات الكبرى. فمنذ الاستعمار لم ينتظم النيجيريون
في حزب أو أحزاب قومية جامعة واستمر ذلك الشرخ إلى يومنا هذا رغم المحاولات
القليلة من أصحاب البصيرة الذين لم تتح أمراض التعصب والانانية واللهاث المحموم
نحو المكاسب الضيقة لمجهوداتهم أن تثمر.
واقترنت
بفشل الاندماج القومي والفشل في إدارة التنوع أمراض وأعراض أخرى: عدم الاستقرار
السياسي والانقلابات العسكرية والفساد السياسي والمالي والاختلالات التنموية وتفشي
الفقر والعطالة: فمع ضخامة الاقتصاد النيجيري يعيش ما يقرب من نصف السكان تحت خط
الفقر، وتبلغ نسبة العطالة 24% وتحتل البلاد المرتبة رقم 141 من 176 في مؤشرات
التنمية البشرية والمرتبة 136 من 175 في سلم الفساد أي أنها تقع ضمن الربع الأول من
دول العالم الأكثر فساداً.
في
ظل هذه البيئة الثقافية والسياسية والاجتماعية وفي ظل الانكفاء والتقليدية النسبية
للفكر الاسلامي في نيجيريا لم يكن مستغرباً إنبثاق حركة بوكو حرام.
نشأت
حركة (جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد) وهذا هو الإسم الرسمي لحركة بوكو حرام،
نشأت كما هو معلوم في الشمال النيجيري حينما تخلت مجموعة من الطلاب عن التعليم
وانعزلت في معسكر بقرية (كناما) أسمته أفغانستان في تأثر واضح بحركة الطالبان، بعد
أن حرمت التعليم الغربي ومن هنا جاء إسمها. وظاهرة تحريم التعليم الغربي والنظر إليه بريبة ليست جديدة في نيجيريا ولا
في حزام السودان الافريقي بل وفي كثير من دول العالم الاسلامي عند صدمة الاستعمار
الأولى. وشمل الأمر كثيراً من المجتمعات غير الاسلامية التي تعرضت للاستعمار. بل
حتى في نيجيريا نفسها تحدث الروائي النيجيري الشهير (شنوا أشيبي) في روايته ( الأشياء تتداعى)
(Things Fall Apart) عن تدمير التعليم
والمؤسسات الإستعمارية لمجتمعات الإيبو المحلية. وإذا كان الأب الروحي لحركة بوكو
حرام (محمد مروة) المعروف بالميتاتسين وتعني اللاعن، قد حرم كل كتاب غير القرآن
بما في ذلك كتب الأحاديث النبوية فلم يكن غريباً أن تتبنى الحركة تحريم التعليم
الغربي ولذلك جعلت الحركة المدارس وطلابها ومعلميها أحد أهم اهدافها حيث هدمت وحرقت
مئات المدارس وانتهت بجريمة إختطاف الطالبات وبيعهن وتزويجهن في ظاهرة بربرية
وحشية يتأبى وصفها على الكلمات.
بدأت
الحركة محدودة في أفعالها ومطالبها بتطبيق الشريعة والعودة للخلافة الاسلامية،
وأدخلها فكرها المنكفئ في تكفير المجتمع وتحريم مؤسساته وتحريم النظام الديمقراطي،
واستهداف غير المسلمين فكانت المدارس والكنائس من ضمن الأهداف التقليدية لها. وبعد
سبع سنوات من تأسيسها ومع أحداث العنف التي وقعت في 2009 وتعرض الحركة لحملات قمع
ومطاردة وإستئصال من السلطات الحكومية وبعد مقتل زعيمها ( محمد يوسف) داخل السجن
بعد قبضه، كثّفت الحركة في عهد زعيمها الجديد ( أبي بكر شيكاو) من عملياتها التي
ركزت على قوات البوليس والمرافق الحكومية والسجون والأسواق وتعرض مقر الأمم
المتحدة بأبوجا لهجمة انتحارية.
وظهرت
مخاوف من وجود ارتباطات بالقاعدة والحركات المماثلة بالاقليم كما زادت مخاوف دول
الجوار من تمدد نشاط الحركة خارج النطاق النيجيري.
ولا
شك أن أخطاء التصدي للحركة وغياب استراتيجية أكثر إحاطة قد ساهم في تمدد الحركة
وفاقم وحشيتها ودمويتها. فقد اعتمدت الحكومة النيجيرية استراتيجية الحل الأمني
العسكري كاستراتيجية وحيدة واستخدمت العنف
المفرط تجاه الحركة فأتى ذلك بنتائج عكسية. فبعد خمسة أعوام من هذه السياسة تصاعد
نشاط الحركة ليصل إلى معدل هجو مسلح كل اسبوع. وفي التقرير الذي أعده مكتب مكافحة
الإرهاب بالولايات المتحدة ( تقرير الارهاب لدول العالم 2013) والذي صدر مؤخراً
احتلت نيجيريا المرتبة الأولى من حيث تعرضها لحوادث الارهاب التي جاءت جلها من
بوكو حرام. وذكرت مصادر أخرى أن عدد القتلى في العام المنصرم بلغ 3477 قتيلاً عبر
146 هجوماً.
ويمكن
إجمال الاستراتيجية المطلوبة وطنياً لمكافحة بوكوحرام في تبني نهج شامل لا يحصر
الحل في الجانب الأمني بل يتعداه لمخاطبة الجوانب التي تشكل أسباباً جذرية لنشوء
هذه الحركة ومثيلاتها.
فلا
بد من مخاطبة الاصلاح السياسي والقانوني ومعالجة الاختلالات التنموية والفوارق
الطبقية ومشاكل العطالة والفقر. كما ينبغي النظر في برنامج للإصلاح الثقافي
ومحاصرة وباء التطرف الديني وفي هذا الصدد هناك تجربة محدودة تخوضها المغرب مع
دولة مالي لتأهيل الدعاة من دولة مالي بفكر إسلامي مستنير يقطع الطريق على تجنيد
الجماعات الدينية الأصولية المتطرفة.
وفي
سياق المعالجات الثقافية لا بد من الوصول لصيغة قومية جامعة لإدارة التنوع الإثني
والديني بالبلاد تعلي من شأن المواطنة وتحفظ حقوق الجميع وتسكِّن إضطراب وصراع
المكونات الثقافية الذي يعتمل في الأحشاء الإفريقية، لا سيما المكونات الكبرى التي
أسماها البروفيسور علي مزروعي بالإرث الثلاثي للقارة: الثقافة الإفريقية المحلية
والإسلام والمكون الغربي المسيحي. وإذا نجحت نيجيريا في ذلك فقد أسدت صنيعاً لأمها
إفريقيا.
حركة
بوكو حرام اليوم تمثل تهديداً جدياً للوحدة الوطنية النيجيرية ولبقاء الدولة
الوطنية في نيجيريا كما تمثل تهديداً لاستقرار المنطقة حيث تنتشر الحركات المشابهة
في مالي والنيجر شمالاً الحدود الكاميرونية شرقاً وعبر هؤلاء وأولئك يمتد تأثيرها
لمنطقة الساحل والصحراء وغرب إفريقيا ووسطها نظراً للتشابه الكبير وانقسام مجتمعات
الحزام السوداني من المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهندي عبر خطوط إثنية دينية
متشابهة.
فها
تنجح نيجيريا في تجاوز محنة بقائها لتنضم إلى مصاف الدول الكبرى كما يؤهلها لذلك
وزنها وتجربتها، أم تأكل الشجرة المحرمة فتسقط
في امتحان البقاء مسلمة البلاد لفوضى عارمة تتردد أصداؤها وتمتد آثارها لما
وراء الحدود؟
د. عبد الرحمن
الغالي
كاتب وباحث سوداني
Algali602003@yahoo.com
