الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

بسم الله الرحمن الرحيم
إجترار كتابات قديمة
مصطفى سيد أحمد: وموقعه من الغناء السوداني: عودة الكلمة للصدارة

تاريخ الغناء السوداني أخصب وأكثر تعقيدا مما يظن الكثيرون، تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية شأنه شأن كل غناء في أي بلد آخر ولكنه يمتاز بخصوبة عالية وصراع واضح في الأفكار والرؤى وهذا ما يمكن تفصيله في سياق آخر.
في سنوية مصطفى سيد أحمد السادسة عشر تطمح هذه الكلمة في طرح سؤال لا الاجابة عليه وهو: ماذا اضاف مصطفى سيد أحمد للغناء السوداني؟
بالغناء السوداني أعني الغناء السوداني الحديث الذي نشأ في أعقاب دخول الاستعمار الثنائي البلاد وتشكل في حاضرته الوطنية أمدرمان مستفيداً مما سبقه من إرث موسيقي وشعري في الدولة الوطنية الأولى أولاً. وهو ما تمثل بصفة أساسية في فن المدائح التي أخذ واقتبس منها شعراء الحقيبة شكلها واقتبس ملحنو الحقيبة كثيرا من ألحانها. وثانياً مستفيداً من التلاقح الذي نشأ في العاصمة بين مختلف الثقافات السودانية والوافدة. وغنى عن القول إننا نحصر حديثنا في هذا ولن نتطرق إلى الغناء السوداني الموجود في تراث كافة القوميات السودانية في مناطقها المختلفة.
يمكن أن يشير مؤرخو الغناء السوداني للعبادي كأول شاعر يكتب بالطريقة الجديدة ليملأ القوالب اللحنية التي أتى بها محمد ود الفكي من منطقة كبوشية مستبدلاً الكلمات الريفية المحدودة بلغة وأفكار مدينية جديدة ويمكن أن يشيروا إليه (العبادي) بأنه رائد الغناء باكتشافه للحاج محمد أحمد سرور الذي يمكن أن يشار إليه بدوره كأول رائد يحول الغناء من الطنبرة والكرير إلى الشكل الحديث. كذلك يمكن أن يشار لسرور في سعيه للتجديد والتجريب كأول من أدخل الرق والصاجات وأول من غنى بالكمان وأول من نظم حفلاً تجارياً (خلاف الغناء في مناسبات الأعراس) وأول من وزع اسطوناته خارج السودان. وكان عبد الله الماحي هو أول من سجل اسطوانات غنائية.
كذلك فقد أشار مؤرخو الغناء السوداني إلى خليل فرح كرائد من رواد كتابة الغناء السوداني وهو أول من أدخل رمزية "الوطن/ الحبيبة" في شعره وكان من أوائل من أدخل آلة العود في الغناء، وكانت أغنيته "عازة" أول أغنية بها مقدمة موسيقية بالإضافة إلى اللحن الأساسي، أخذ المقدمة الموسيقية من مارش عسكري أسمه "ود الشريف رايوكمل". واللحن الاساسي من أغنية شعبية اسمها "عمتي حواء" وكذلك يمكن الإشارة كذلك لحثه إسماعيل عبد المعين لاستعمال السلم الكامل (السباعي) وهي قضية استحوذت على اهتمام الموسيقيين لزمن طويل.
وهي القضية التي استحوذت على اهتمام الفنان محمد الأمين وقدم فيها تجارب ناجحة اثبت أن اللحن يمكن أن يكون سباعيا وسودانيا في نفس الوقت.
وكذلك أشاروا إلى كرومة وريادته في ابتدار الحان جديدة وطلبه من الشعراء كتابة كلمات ليست على العمود القديم كما فعل عبد الرحمن الريح ومحمد بشير عتيق، وكذلك يمكن الإشارة إلى إصراره على رفض الغناء بالموسيقى لأنها تقيد صوته والفضاءات التي يمكن أن ينطلق فيه وإصراره على أن تكون الموسيقى خلفية خافتة لأظهار الصوت البشري وهي الفكرة التي قامت عليها فرقة عقد الجلاد في عهدها الأول .
وأشاروا إلى إسماعيل عبد المعين كأول سوداني يدرس الموسيقى دراسة نظامية ويستفيد منها حيث كان من المنقبين عن التراث الموسيقي لدى مختلف القوميات السودانية، فوظف ذلك التراث في الحانه وأوضح مثال لذلك مقطوعته "يقظة شعب" التي صارت شعاراً للأسطول الأمريكي في البحر المتوسط. وكذلك أناشيد المؤتمر " للعلا" لخضر حمد و "صه يا كنار" لمحمود أبي بكر و " صرخة روت دمي" لمحي الدين صابر. وكما اشرنا فقد كان إسماعيل ملتزما بالسلم الخماسي وكان أول من استفاد من ايقاع التم تم الذي كان شائعاً ولكنه كان منبوذاً لأنه ارتبط بكلمات مبتذلة. ثم من بعد ملأ سيد عبد العزيز وعبد الرحمن الريح وغيرهم تلك الالحان بكلمات جادة.  
وأشاروا لحسن عطية كأول من غنى بالعود في الإذاعة ولعائشة الفلاتية كأول مطربة بالاذاعة ولأختها جداوية كأول عازفة عود محترفة. ولريادة التاج مصطفى اللحنية ولإبراهيم الكاشف كأول من جعل للموسىيقى دوراً غير تكرار اللحن وأول من جدد اللزم الموسيقية، وأول من أنشأ فرقة موسيقية مصاحبة له.
ولسيد خليفة كأول من أدخل "الكورس" النسائي اقتبسه من مصر وصار شائعاً بعده في الغناء. ولمصطفى كامل "المصري" الذي أدخل "القانون" والذي درس بمدرسة الموسيىقى باتحاد الفنانين ونوَّت الاغاني واشرف على تدريب العازفين. ولمتولي عيد مراقب الإذاعة كأول من انشأ معهداً لتدريب الموسيقى بالإذاعة.
ولوردي الذي جمع بين التراث والتحديث حيث كان أول من وزع أغنية على النمط الحديث (الود التي وزعها أندرية رايدر) واستعمل فيها الطنبور. كما كان أول من استعمل الصفارة بالفم في أغنية "الحبيب قلبو طيب".
وأشاروا لبشير عباس كأول من أدخل كلاماً على المقطوعات الموسيقية مقطوعة ألحان (يا ترُى).
وأشاروا لمحمد الأمين كأول مجرب للغناء بالسلم الكامل و كأول من ابتدع ما يمكن أن نسميه بالغناء الملحمي ومشاركة عدد كبير من المغنيين في عمل واحد وتوزيع الأدوار عليهم. وكأول من أضاف وتراً سادساً لآلة العود التي يجيدها ويجيد توظيفها.
وكذلك لأبي عبيدة حسن الذي أضاف وتراً سادساً للطنبور وأدخل عليه الكهرباء ولأحمد زاهر كأول من أدخل الماندلين الذي كان إبراهيم خوجلي والنور الجيلاني أول من اعتمدا عليه.
يمكن الإشارة لهؤلاء وغيرهم من الرواد. فماذا عن مصطفى؟
أول ما يميز مصطفى أنه صاحب رسالة فنية وفكرية والناظر لسيرته يدرك ذلك من إصراره - رغم كل العوائق - على السير في ذلك الطريق لأداء رسالته. أما الرسالة الفنية فتدفعه للتجوبد الفني بالتجريب والتمرين والدرس والاستشارة ...الخ وأما الرسالة الفكرية فتبدو في اختياره الكلمات وتدخله في المضامين وذلك ما رواه بعض شعرائه من تشاوره معهم واقتراحه عليهم تعديلات تفي بغرض الرسالة التي يريد إيصالها: من التزام بالقضايا الوطنية وبث الأمل في الشعب.
وثاني مميزاته أنه ناقد فني وشعري من الطراز الأول يتضح ذلك من اختياراته لأغاني الغير التي أداها ومن اختياره لقصائده . ساعده في ذلك :أنه صاحب رصيد معرفي كبير استمع لكثير من الغناء وقرأ كثيراً من الشعر والشعراء وهذا يقودنا للميزة الثالثة وهي أنه – رحمه الله – كان منفتحاً يدل على ذلك تعامله مع عدد كبير من الشعراء ( أكثر من 60 شاعراً سودانياً وأجنبياً) وهذا يعني أنه تعامل مع مئات النصوص إن لم يكن آلافها.كما تعامل مع عدد من الملحنين. ومع هذا الكم الهائل من الأعمال كان – رحمه الله – مهتماً بالتجويد.وخامس ميزاته هي التجديد وهي جوهر تفرده. وينقسم التجديد عنده - رحمه الله – في رأيي لقسمين : تجديد لحني وأدائي حيث أتى في ألحانه بمليوديات وأفكار لحنية جديدة ولكنها في تواصل مع ما سبقها، لم تشكل قفزات تقف حائلاً دون تواصل الجمهور العريض معها لذلك حظيت أغنياته بشعبية واسعة حيث جمعت بين دهشة الجديد وإلفة القديم. كما تميز بمقدرته الفائقة المتفردة في تلحين نصوص يصعب تلحينها. أما التجديد الثاني وهو الأهم فهو التجديد في اختيار المفردة فقد أعاد مصطفى الكلمة إلى سابق عهدها من حيث الأهمية. فعند نشأة الطور الأول من الغناء الحديث كان مدار الأغنية يقوم على الكلمة : حيث يتبارى الشعراء في كتابة نصوص للحن الواحد، فعلى سبيل المثال هناك اثنا عشر نصاً يجاري نص العبادي ( برضي ليك المولى الموالي) ويشاركه في نفس اللحن.
وللتجويد ثمنه الذي لابد من دفعه، حيث لا بد لكل قديم من حراس : تستوي في ذلك الفنون والآداب والعقائد والقيم المجتمعية. وفي هذا السياق يمكن الإشارة للآراء السالبة التي تصدر  - وقد صدرت بالفعل- من لجان النصوص ولجان التحكيم بالمؤسسات الفنية والإعلامية والتي حاولت منع الراحل المقيم من كسر حواجز القديم. وهذا الأمر من طبيعة عمل تلك اللجان إذ تقوم بمهمة حراسة  الشكل السائد حتى لا تسمح بدخول مستويات أقل من المعايير التي تضعها وفي سبيل ذلك أيضاً لا تسمح بدخول معايير مخالفة لها وإن كانت أعلى !!.ولكن الأعمال التي تسير مع  حركة التاريخ تفرض نفسها في النهاية وقد كان. كما ساعدت الراحل المقيم الظروف التي يمكن أن تدمر غيره، فقد بلغ مصطفى رحمه الله قمة ألقه في عهد حدثت فيه تغيرات هيكلية في بنية المجتمع السوداني حيث تبنى النظام الحاكم سياسات أودت بالرعاية الاجتماعية فانتشر الفقر وغابت العدالة والحريات وتمت محاولة فرض نموذج معين. في ظل مثل هذه الظروف شكل مصطفى بتبنيه الدفاع بفنه عن تلك القيم الغائبة ملاذاً آمناً وواحة استظل بها المجتمع السوداني.
سلام على مصطفى في الخالدين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد أولاُ وآخراً.

د.عبد الرحمن الغالي
16/1/2012م

لصحيفة المشاهد
بسم الله الرحمن الرحيم
إجترار 3
بسم الله الرحمن الرحيم
في كنه الرابطة الشرعية ومبلغ علمها (1)
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الخلق، المبعوث رحمة لهم أجمعين وعلى آله المطهرين وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
·       توطئة :
ما زالت فتاوي الرابطة الشرعية تترى فتشغب على أهل الإسلام والسودان، فتاوي تتجافى عن الحق في جوهرها وتنأى عن أدب القول في خطابها، تتخذ التدليس وسيلة تكمل به نقص حجتها الناجم عن نقص علمها ونقص إخلاصها فان من اخلص في طلب الحق يسر الله له أسبابه وفتح له أبوابه.
ويعلم الله أني لم ارمهم افتئاتاً، ولم ارغب في دخول السجال محبة في المراء والجدال ولا في الخصومة و اللدد لاسيما وأن أمر الدين إنما يكون الجدال فيه بالحسنى و إلا فالإعراض عن الجاهلين هو الأولى. ولكن ما دفعني للتصدي هو واجب الذب عن المحجة البيضاء ودفع الفتنة الهوجاء التي تجمع عارضها ليمطر البلاد والعباد صواعق العذاب ، فعسى أن يكون دفاعنا عن الحق حقا مقذوفا يزهق ذلك الباطل الخندريس الذي سبقتهم إليه الخوارج " والجهل في العالم داء نجيس" كما قال المعري، اخرج أولئك مع إخلاصهم وكثرة عبادتهم وغر هؤلاء بعد أن غرهم السلطان بلعاعة من الدنيا. ولو كان جهل هؤلاء جهلاً قانعاً قاعداً في بيته فلربما تشاغل عنه الناس بدفع الضرر الأكبر ولكنه عدا واعتدى فلم يكن من نزاله بدٌ
لما رأيت نساءنـــا             يفحصن بالمـعزاء شدا
وبدت لميس كأنها             قمر السـماء إذا تبــدى
نازلت كبشهم ولم              أر من نزال الكبش بدا
وقذف العقائد اكبر من قذف الأعراض. وهو مع هذا نزال شرعي لا انتصاراً لذات أو شفاءً لغيظ أُمرنا بكظمه ما استطعنا وقديما قال الإمام البوصيري رحمه الله :
ومن الغبينة أن يجازي إفكهم صدقي
                                          ولسنا في  الكلام شكولا
وأخطر ما يهمنا من أمر الرابطة وفتاويها :
·       أنها في المقام الأول تحوّل الدين من عامل توحيد وتآخي وتآزر بين المسلمين في السودان إلى عامل شقاق وفرقة، مثلما حولت سياسات حكومية تعدد الأعراق واختلافها إلى عصبيات جاهلية تنقض غزل التآخي والتأليف الذي اجتهد الآباء المؤسسون في نسجه. دعك من الفتنة بين المسلمين .
·       وأنها في المقام الثاني تنقل – من حيث لا تدري- أمراض التدين التي أصابت الأمم الأخرى والتي حدث عنها المعصوم صلى الله عليه وسلم وحذر منها : (لتتبعن سنن من كان قبلكم .... الحديث ). حيث قاد التعصب المذهبي تلك الأمم للحروب الدينية التي تفانوا فيها وانتهت بالحروب الثلاثينية بين أتباع المذاهب المسيحية التي لم تضع أوزارها حتى وضعت الأساس لطرد الدين من الدولة . وحيث طغى رجال الدين المسيحي واحتكروا فهم الدين وتفسيره وأنشأوا الكهنوت الذي لم يقف عند حد التسلط في عالم الشهادة وإنما اصدر صكوك الغفران وشهادات الإيمان وكانت محاكم التفتيش هي المآل الطبيعي لذلك . ولكن الإسلام بأذن الله وحمده معصوم من ذلك المصير لأن نصه المقدس محفوظ لا تبدله المجامع ولا الطوائف والمذاهب، ولأن الله قد وعد ووعده الحق على لسان حبيبه صلى الله عليه وسلم بأنه (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)، ولأن خيرية الأمة قد قرنت بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر . وثلاثتها كفيلة بوأد التعصب ودحض الكهنوت.
·       وأنها – أي الرابطة – في المقام الثالث تنهج نهجاً - من حيث تدري أو لا تدري – يسعى لتجريد الإسلام من أهم خصائصه وهي التسامح وإعلاء العقل والأغوار الروحية التي تقود المؤمن للسمو الروحي فتنفتح له طاقات الغيب فيجعل الله له نورا يمشي به. وهي الخصائص التي لم تجتمع لغيره فبز بها الملل والنحل الأخرى "وما بزه في أيكة البيد قائل" كما قال شوقي. فما ينكر سماحة الإسلام ودور العقل فيه وروحانيته إلا غال أو جاهل أو مبطل أو جامع لهن والعياذ بالله. حيث صار بسببهن مع وضوح عقيدة التوحيد فيه وانتفاء الكهنوت أسرع الأديان انتشارا رغم وهن المسلمين وهزالهم وهوانهم على الناس وضعف علم وعقل بعض دعاته الذين انتهى الأمر ببعضهم إلى تكفير المسلمين والهجرة إلى ديار الكفر في مفارقة للاسم مضحكة مبكية.
الرابطة وتكييفها:
من الجلي لأدنى ذي بصر أن هذه الرابطة رابطة سياسية تتدثر بدثار الدين، وأن حظها من الفقه حظ منقوص وان بضاعتها فيه مزجاة وأنها جمعت لهذين العيبين – وربما بسببهما – المسارعة لتكفير الخصوم حيث لا مكان عندها للتحري والتثبت والمراجعة بينما تمهل أولياء نعمتها الأعوام الطوال انتظارا لتطبيق الشريعة الغائبة، فلم يفتح الله عليها بكلمة تكفير للحكومة القائمة مع أن تكفير الأعيان أصعب من تكفير غير المعين. وهي في نهوض همتها ضد خصومها وتكاسلها عن نقد أوليائها أشبه ما تكون بشيخ الجارم:
يغازل إذ يغازل من قيام
وإن صلى يصلي من قعود !!
تجامل الحكومة بأيسر من رخص ابن عباس و تحاسب الخصوم بأشد من عزائم ابن عمر وهي مع ذلك لها نصيب و افر من التدليس – وسنعرض لكل أولئك تفصيلا – ولها انتقائية: تصمت عن الباطل حينا أو تعرض عنه جملة واحدة. فهي على سبيل المثال تصمت عن اتفاقية نيفاشا أكثر من خمس سنوات ولا تبطلها إلا حينما يدنو موعد الاستفتاء كجزء من حملة حكومية (انظر بيانها الموضوع بموقع الرابطة في 20\7\2011) ومثل آخر: صمتها عن أحداث اليمن وحديثها عن ليبيا وسوريا. أما حديثها عن البحرين(23\3\2011) فمثال يسعى بقدمين على تجافيها عن الصدق إذ صورت الأمر على انه اعتداء وقتل من الشيعة للسنة!! (انظر بيانها عن البحرين بموقعها). وحرضت السلطات على عقاب المتورطين وعدم العفو عنهم وعدم توظيف الشيعة في وظائف مؤثرة بالحكومة والاعتماد على السنة !
وعلى ذكر بيانها الداعي لنقض اتفاقية نيفاشا وعدم جواز التخلي عن أرض الجنوب لأن أكثرية أهل السودان من المسلمين ألا يجوز لنا أن نسأل كيف تكون أغلبية أهل السودان من المسلمين وقد كفرتم كل تلك الطوائف والجماعات.
أما مفارقة خطابها للهدي النبوي فهي أوضح من إهراق المداد فيها إذ ولغ بيانها الأخير ضد الحبيب الإمام الصادق في كل ما نهى عنه الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم وما نفى عن المؤمن. فليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذئ ولا جواظ ولا عتل ولا همزة ولا لمزة ولا حطمة ولا متفيهق ولا حسود ولا كنود فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس.
اما تفصيل ذلك (وكل تلك البيانات منشورة بموقع الرابطة على الشبكة العالمية وهو  ttp://rabetasud.org/ ) فقد كفرت الرابطة الحزب الشيوعي (أغسطس 2008 ) والدكتور الترابي  والطرق الصوفية والشيخ البرعي (انظر مقال رئيسها الأمين الحاج محمد احمد  2012-01-03) والامام الصادق المهدي ( بيانين) ولكنها حتى حينما تحدثت عن شرعية اتفاقية نيفاشا  وعن علمانية وشركية الدستور (2\8\2011) وعن عدم جواز أخذ الربا (وضع في 7\11\2011) لم تكفر الحكومة بل قالت في ختام حديثها عن الدستور متسائلة (ما الذي يجعل الحكومة التي تعد الناس بالشريعة تتأخر عن إعلان ذلكم الدستور الإسلامي ) والسؤال الصحيح هو: ما الذي يجعل الرابطة تتأخر في تكفير الحكومة التي لم تحكم بما انزل الله في نظرها 23 عاماً ؟! ثم يتساءل بيان الرابطة (لماذا تستحي الإنقاذ من أن تقول أن دستورها القرآن ) والسؤال الصحيح هو: لماذا تستحي الرابطة أن تعلن رأيها بكفر الإنقاذ إذا كان دستور الإنقاذ شركياً وشريعتها "مدغمسة " كما قال بيان الرابطة. و السؤال الأهم كيف تطلب الرابطة من الحكومة التي تتحاكم للطاغوت أن تستتيب الآخرين قبل ان تتوب هي نفسها وتؤوب إلى حكم الله (في نظر الرابطة). وهل تعلم الرابطة أن السيد رئيس الجمهورية لو أراد أن يحمل بياناتها محمل الجد فسيستشير مستشاره للشؤون القانونية وهي السيدة / فريدة إبراهيم احمد لتفتيه في كفر من أفتى بأن النقاب عادة وليس عبادة. وهل تعلم الرابطة أن المستشار السابق للرئيس للشؤون القانونية أيضا سيدة هي الأستاذة/ بدرية سليمان وهل تعلم الرابطة أن الوزيرة المسؤولة عن التوجيه (وهي بمثابة وزارة الشؤون الدينية) في اكبر ولايات السودان : ولاية الخرطوم هي امرأة.
كذلك انظر لبيانها حول زواج المثليين وحكمه إذ تستدل الرابطة وتستنتج أن عقوبة هؤلاء يجب أن تكون اشد من المرتد المحارب ولكن البيان يمضي كشأن بيانات الرابطة في القضايا التي تخص الحكومة : يبدأ بداية قوي ثم ينتهي إلى لا شيء حيث ينتهي البيان بقوله: ( إن أوجب واجبات ذي السلطان تطبيق شرع الله ) والسؤال بعد هذا الإرغاء و الإزباد لم تطبق الحكومة الحد في المثليين ولا في غيرهم فماذا انتم قائلون؟!
وبيان ثالث : هو بيان الرابطة حول الربا حيث استشهدوا بحديث رئيس البرلمان الأستاذ أحمد إبراهيم الطاهر الذي قال:( نحن الآن لسنا في دولة مكة ولا دولة المدينة بل في دولة بهذا العصر ).. و (أن القرآن لم يحرم الربا محرمة قطعية كحرمة الخمر) ومع ذلك لم يتجرأ بيان الرابطة على تكفيره، ولا وزير المالية ولا حكومتهما!!
ومثال رابع هو الحوار الذي اجري مع السيد محمد عبد الكريم (حوار محمد كشان منشور بعدد من المواقع مثل سودانيزاونلاين وسودانايل والحدق) :حيث قبل فيه دخول قوات دولية وأفتى بعدم التعرض لها (لأن ذلك ليس من المصلحة الشرعية للسودان فالأعمال العنيفة والعسكرية تزيد من تعقيد القضية.) وقال : (على القوات _يعني الدولية_ أن تلتزم بما جاءت من أجله) ثم اعترف باتفاقية السلام في معرض تحريض الحكومة على منع الأحزاب العلمانية من العمل قائلاً: (خاصة وأن اتفاقية السلام كفلت لأهل الشمال أن يطبقوا الشريعة) وهي نفس الاتفاقية التي قالت فيها الرابطة : (وإن الحكم الشرعي الذي يخلص إليه كل فقيه بالشريعة الغراء عند النظر في اتفاقية نيفاشا ومآلاتها على أهل السودان يدرك بطلانها شكلاً ومضموناً) ثم برر التعاون الأمني بين السودان والمخابرات العالمية حيث قال :( ينبغي لأي (لأية) دولة مسلمة تتعاون مع أجهزة المخابرات العالمية أن ترعى بالدرجة الأولى مصالح المسلمين العليا وأن تكون المعالجة لبعض الظواهر والمشاكل نابعة من عقيدتنا وفهمنا الشرعي،) فكما ترى هنا " يبلع" السيد محمد عبد الكريم وهو أحد مؤسسي الرابطة عقيدتهم في الولاء والبراء فيفتي بجواز التعاون الأمني مع الدول العالمية (لاحظ المصطلح التبريري العالمية وليس دول الاستكبار الكافرة)  ويفتي بعدم قتالهم ويقر دخول القوات الدولية حينما يقول بأن عليها أن تلتزم بما جاءت من أجله _ وهو بالعربي الفصيح حماية المدنيين المسلمين في دارفور من بطش الدولة المسلمة _ثم يفتي في نفس المقابلة بأن (استخدام العنف كوسيلة ومحاولة التغيير عن طريق القوة فهذا ما لا نقره ولا يجوز شرعا) كل هذا يقوله محمد عبد الكريم حينما يتعلق الأمر بأمر تقره الحكومة ولكن بيانهم في إساءة الحبيب الإمام الصادق المهدي يرفض مجرد مصطلح التسامح والتعايش دعك من التجسس الأمني وتسليم المسلمين ليقرر بالنص: (وليس لمصطلح التسامح والتعايش إلا ترك عقيدة الولاء والبراء وهي من ابرز مبادئ الشرع الحنيف كما أشار القرآن لها في أكثر من موضع ) (انظر بيان الرابطة المنشور بموقعها بتاريخ 23 يونيو 2011) فأحد مؤسسي الرابطة يقر بوجود قوات مسلحة ليست مسلمة في السودان ويمنع التعرض لها ويكفر الصادق المهدي إذا قال أن الإسلام يقر مبدأ التعايش والتسامح مع غير المقاتلين وهو ما ورد في أية الممتحنة (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وهي آية صريحة الدلالة في جواز التعامل مع غير المسلمين وبرهم كما قال أكابر المفسرين كالطبري الذي قال بهذا حيث ذكر في تفسيره  جامع البيان في تأويل آي القرآن (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله { الَّذِينَ لَمْ يُقاتلُوكُمْ فِي الدّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكمْ مِنْ دِيارِكُمْ } جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصُصْ به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهى عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح.) وبذلك قال الواحدي في (الوجيز) وابن الجوزي في (زاد المسير في علم التفسير) وقال القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن ) : وقال أكثر أهل التأويل هي محكمة وكذا قال الشوكاني (فتح القدير ) والرازي (مفاتيح الغيب التفسير الكبير) في تفاسيرهم المذكورة فليرجع إليها وسنعرض لتفاصيل الحجج الفقهية في حينها إذ نحن الآن بصدد الرابطة وتهافتها. ثم نرجع لأقواله حينما أنكر تأييد العنف والتغيير به لنقارنه بالبيان الأول في حق الصادق المهدي الذي صدروه بحديث ()ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ...الخ الحديث) وفيه استعداء واضح وتحريض على التغيير باليد وإطلاقها في وجه المسلم المجتهد خلاف قول صاحبهم الذي أمر بكف الأيدي عن القوات الأممية. ولابد من الإشارة إلى أنهم اجتزأوا الحديث فبتروا صدره فلم يوردوه وذلك لورود أكثر من رواية حيث تشير تلك الروايات إلى أمراء أي حكام هم الذين يخلفون ويفعلون ما يستوجب جهادهم (انظر مسند الإمام أحمد 1/456 وتاريخ البخاري الكبير 1/346 والبزار في مسنده وابن حبان.)
ومما يؤكد أن هذه الرابطة سياسية هو أننا لم نسمع لها أدنى ركز تكفيراً لمن أفتوا بجهاد أخوات نسيبة وسفرهن الليالي ذوات العدد لأحراش الجنوب من غير محرم ولا اختلاط الرجال والنساء – ذوي الشأن !!- في الحفلات الراقصة تحت سمع الرابطة وبصرها، دعك من أعراس الشهيد التي عقد فيها مأذون في عالم الشهادة على أزواج في عالم الغيب وكرامات الدفاع الشعبي التي أبلت فيها القرود بلاءً حسنا بزعم قائلهم. كل ما سبق إنما هو أمثلة نؤكد بها مقولتنا الأولى وهي أن هذه الرابطة سياسية تأخذ بحيل السياسة وأحبلها فالسياسة عندها ليست سياسة شرعية تلتزم بضوابط الشرع من الصدع بالحق وعدم كتمان الشهادة ومراعاة المصلحة العامة، ولا بأدبه في عفة اللسان حيث أحصيت في بيانهم الأول حول الحبيب الإمام الصادق المهدي حوالي عشرين إساءة لن أدنس قلمي في وحل قذارتها فأذكرها. وهذا ليس بمستغرب فسبيل الأنبياء مفروشة بالأدَد والأوَد كما قال الإمام علي عليه السلام و لولا سابق علم وسالف عهد لشفوا غيظهم بخنصرهم وبنصرهم ولكنهم أودعوا مع الصبر الرحمة –لا سيما مع الجهلاء- حيث يتحرق أتباعهم للقتال ورد العدوان بينما سبيلهم وهديهم لهم (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة).
أما غياب المنهج والتدليس فيتضح تارةً في اجتزاء الحديث من سياقه وإيهام القارئ أنه مقول للغرض الذي زعموا. وفي الاستشهاد بمن يخالفون منهجه إذا اتفق معهم في مخالفة خصمهم أو تبرئة وليهم ( أو ولي نعمتهم) ففي بيانهم عن الشيوعية نقل حرفي من كتاب العقاد رحمه الله ( الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام) دون الإشارة إليه مع أن العقاد في نفس الكتاب قد عقد فصلاً قارن فيه بين الإسلام والشيوعية خالف الرابطة فيه في نظرته للإسلام وغني عن التذكير أن العقاد هو صاحب كتب : التفكير فريضة إسلامية والديمقراطية في الإسلام والحسين أبو الشهداء ومعاوية بن أبي سفيان وفي هذين الكتابين الأخيرين نعى الأستاذ على دولة الملك العضود ومؤسسها فظائعها. وكذلك استشهاد الرابطة في سبيل تبرير نقض العهد مع الجنوبيين بتفسير ابن عاشور . والطاهر بن عاشور هو أول من دعا إلى تأسيس علم جديد يستقل عن علم أصول الفقه ويتكامل معه وهو علم ( مقاصد الشريعة) وهو في هذا مقتد بالعلماء والفقهاء الذين اهتموا بالمقاصد مثل نجم الدين الطوفي وإبراهيم الشاطبي وغيرهما خلافاً للمنهج الظاهري الذي عليه الرابطة.والغرابة ليست في الاستشهاد فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها والمستشهد بهما في هذا المثال هما من أخيار مفكري المسلمين في العصر الحديث ولكن منطق الرابطة الصوري الظاهري يكفر مثل أقوالهما حيث تجحد الرابطة دور العقل في الدين وحيث تكفر الديمقراطية ومؤسساتها ( انظر بيانها حول الدستور الإسلامي بموقعها) وحيث تجحد فقه المقاصد وسنعرض لكل ذلك في حينه إن شاء الله وسنعرض في الحلقات القادمات لفقه التكفير وفقه المقاصد وفقه المرأة تفصيلاُ  مستثمرين هذه البلوى لنجعلها نعمة قال حبيب بن أوس:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
وقال الإمام المهدي عليه السلام: المزايا في طي البلايا والمنن في طي المحن
وقال المعصوم الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم:
(عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)
وكل ذلك يتوافق مع الوعد الرباني:
( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)
وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى
د. عبد الرحمن الغالي






بسم الله الرحمن الرحيم
إجترار كتابات قديمة


بسم الله الرحمن الرحيم

حزب الأمة

المؤتمر العام السادس

ورشة العلاقات الخارجية
مارس 2003






انعكاس السياسة الداخلية للدول على سياستها الخارجية:الإنقاذ كمثال

عبد الرحمن الغالي



بسم الله الرحمن الرحيم
انعكاس السياسة الداخلية للدول على سياستها الخارجية:الإنقاذ كمثال

(ورقة مقدمة لورشة العلاقات الخارجية-الورش التخصصية للمؤتمر العام السادس لحزب الأمة-مارس 2003)

توطئة:
تواجه الباحث في مثل هذا الموضوع صعوبات جمة، منهجية وتطبيقية.أما الصعوبات المنهجية فترجع إلى أن علم العلاقات الدولية علم حديث نسبيا ونظريات السياسة الخارجية أحدث منه ولعل هذا ما دفع عالم العلاقات الدولية البروفيسور جيمس روسنو لتسمية مقاله الهام في هذا الشأن (ما قبل نظريات ونظريات السياسة الخارجية Pre-Theories and Theories of Foreign Policy) والذي نشره عام 1966.
وهناك صعوبة تقصي العوامل الداخلية المؤثرة على السياسة الخارجية لبلد كالسودان نام سياسيا واقتصاديا،ومتعدد الأعراق والثقافات ومجاور لدول عديدة مختلفة في نظمها السياسية وانتماءاتها الحضارية ومختلفة ومتداخلة في تركيبتها الاثنية والجيوسياسية.
وهناك صعوبة أو قل مشقة تقصي سياسة نظام كالإنقاذ متعدد الرؤوس، متقلب السياسات وغامض في ممارسته السياسية.ذلك أن دراسة طبيعة الإنقاذ تقتضي النظر في طبيعة وتاريخ الحركة الاخوانية التي قامت به وتطورها وتفاعلها مع الواقع السياسي السوداني وسلوكها السياسي لاسيما منذ الحقبة المايوية فصاعدا والعوامل الداخلية التي دفعتها للإقدام على الانقلاب ثم تبني السياسات الداخلية والخارجية التي تبنتها.
 السياسة الخارجية :خلفية عامة
السياسة الخارجية :الخصائص والسمات:
اتفق دارسو العلاقات الدولية على أن للسياسة الخارجية خصائص وسمات محددة:
        · فهي تعبير عن التوجهات الخارجية للدولة فهي موجهة للعالم الخارجي من قبل الدولة المعنية.
    · وهي تعبر عن سياسة رسمية للدولة يتبناها جهاز الدولة التنفيذي فعلى سبيل المثال ما يصدر عن الكونغرس لا يعبر عن السياسة الرسمية للولايات المتحدة-
        · وهي سياسة معلنة: وتحليلها يتم عبر تحليل السياسات والتصريحات المعلنة الرسمية.
    · وهناك سمات أخرى مثل البعد الهدفي ،الطابع البرامجي وله جانبان جانب البرامج المعلنة والسلوك التطبيقي،والبعد الاختياري وغيرها مما يعنى به دارسو العلاقات الدولية.
أهداف السياسة الخارجية:
تسعى السياسة الخارجية للدول لتحقيق أهداف معينة منها:
      1)        تحقيق وحماية الأمن القومي للدولة
      2)        تأمين المصالح الاقتصادية
      3)        تحقيق النفوذ السياسي
      4)        البعد الأيديولوجي
وغيرها، وعلى هذا تلعب الأهداف دورا مهما في تحديد السياسة الخارجية للدولة: فتأمين المصالح الاقتصادية تحدده عوامل كثيرة داخلية:مثل الموارد الاقتصادية وخارجية مثل الدول المنافسة. وفي مسألة تحقيق النفوذ السياسي تدخل مسائل الترويج لنظام سياسي معين،كذلك السعي للحصول على وزن دولي أو إقليمي ولعل أوضح الأمثلة على ذلك ما كان تقوم به الدول الكبرى من معونات بغرض الاستقطاب في فترة الحرب الباردة،ومثال آخر هو العرض الذي تقدمت به تايوان بمنح الأمم المتحدة بليون دولار نظير السماح لها بالانضمام للمنظمة الدولية.وكذلك ينظر بعض الباحثين لسلوك بريطانيا الرافض للمشاركة الكاملة في الاتحاد الأوربي على ضوء السياسات الفرنسية الداعمة للاتحاد الأوربي[1].وهناك البعد الأيديولوجي وغيرها مما سنتطرق له في الفقرات التالية.
العوامل المؤثرة في السياسة الخارجية:
هناك عوامل موضوعية تحكم سلوك الدول وتحدد بالتالي سياستها الخارجية وهي:
      1.        العامل الجغرافي:
        · البعد المادي:مساحة الدولة،حدودها،هل هي دولة ساحلية أم مغلقة،طبيعة السطح.
    · الإقليم المجاور ودول الجوار:فرص التكامل وعناصر التهديد ،القدرات العسكرية للدول المجاورة،الطموحات القومية للدول المجاورة..الخ.
      2.        السكان:
هوية السكان: التجانس والتباين السكاني،ارتباط المجموعات الاثنية في الدولة بدولة أخرى أو بمجموعات في دولة أخرى،مستوى الوعي،المهارات،مدى الانتماء والولاء للوطن.
      3.        البنى والمؤسسات:
        · البنية الاقتصادية:هياكل ومنظومات الحياة الاقتصادية،مستوى الرخاء،العدالة في توزيع الثروة.
    · البنية السياسية: أنماط الحكم:ديموقراطية/شمولية( على سبيل المثال: عزا بعض الباحثين عدم التدخل السافر لكينيا في السودان وعدم دعمها العسكري للحركة الشعبية لطبيعة النظام الديمقراطي بها[2].وكذلك يمكن ملاحظة أن سياسات المحورية والاستقطاب الحاد في العلاقات الخارجية للسودان كانت تتم في الفترات الشمولية)
        · البنية الثقافية: مثل القيم المحددة (Determinant Values)  الأيديولوجيا ،وجود مجموعات مهمشة ثقافيا.
      4.        الإمكانيات:
    ·  الموارد الطبيعية: الاكتفاء الذاتي من الضروريات، المقدرة على تسويق الفائض،وسائل تعويض النقص :وأبلغ الأمثلة على ذلك :البترول المياه وأثرهما في تحديد السياسة الخارجية للدول.
   5.    أولويات المواطنين ومدى اهتمامهم بالسياسة الخارجية( أصبحت سياسة الولايات المتحدة تجاه السودان ضمن الاهتمامات المباشرة لقطاع كبير من الأمريكيين)
      6.        الوضع الدولي: ظروف الحرب والسلام،سلوك الدول الأخرى كمحدد ( As limitation) لخيارات الدولة المعنية.
كيفية اتخاذ القرار:
هناك نظريات عديدة حاولت تقصي كيفية اتخاذ القرار في مسألة السياسة الخارجية،فهناك:

المدرسة العقلانية:Rational Actor Model :

تفترض هذه المدرسة أن هناك جهة مركزية واحدة تتخذ القرار بناء على دراسة عقلانية للمعلومات وتحديد الخيارات المختلفة ثم اتخاذ القرار مع تحديد سلبياته وإيجابياته.
وهناك المدرسة البيروقراطية Bureaucratic Model :
ولا توجد في هذا النموذج جهة واحدة لاتخاذ القرار وإنما تتخذه جهات مختلفة:هي الأجهزة البيروقراطية( مثل وزارة الدفاع-المخابرات-وزارات وشركات ذات صلة بالسياسة الخارجية) فالقرار هنا هو محصلة تفاعل هذا المؤسسات ذات الرؤى والأولويات المختلفة.
هناك المدرسة التنظيمية Organizational model :
وهي تشبه البيروقراطية في أن عدة جهات تشارك في اتخاذ القرار.
وهناك نظرية الدورRole Theory :
وهي نظرية أو قل منهج يركز على أن اتخاذ القرار يعتمد على الدور الذي يقوم به متخذ القرار،مثلا مستشار الأمن القومي يلزمه دوره بنمط معين من السلوك في صنع السياسات. ثم هناك التداخل بين الأدوار:ففي دراسة لبوك وكلارك (1986) عن دور مستشار الأمن القومي وموظفي البيت الأبيض خلصا: إلى أن احتمالات التوتر بين المساعدين السياسيين بالبيت الأبيض ومستشار الأمن القومي تنبني على المسؤوليات الوظيفية المقارنة بينهما.فبينما يعتبر المساعدون بعض السياسات الداخلية جيدة وجديرة باهتمام الرئيس يراها مستشار الأمن القومي سياسة أمن قومي ضعيفة وعديمة الجدوى[3] .
ولابد من ملاحظة هذا التداخل والتضارب في الاختصاصات والصلاحيات لفهم آليات عمل السياسة الخارجية  بصفة عامة وفي الدول المتقدمة بصفة أخص.فهناك الشد والجذب(التاريخي) بين وزارة الخارجية ومستشار الأمن القومي في أمريكا( مثال سايروس فانس/بيرزنيسكي) ووزارة الخارجية والدفاع (مثال كولن باول/رامسفيلد).وهناك التداخل بين وزير الدفاع وهيئة القيادة المشتركة(من داخل وزارته) وبينه وبين مستشار الأمن القومي.
وهنا يجب التنويه لملاحظة هامة وهي أن مثل هذه الدراسات أجريت في دول متقدمة ذات مؤسسات راسخة ولتطبيقها أو تعميمها ينبغي إجراء دراسات مقارنة كما أشار ملفن كون[4] .ومع ذلك فإنها لا تفقد قيمتها بل تلقي أضواء مفيدة في فهم ديناميات السياسة الخارجية.
أما من حيث أهمية العوامل المؤثرة في اتخاذ القرار في السياسة الخارجية فقد اقترح جيمس روسنو نموذجا يتكون من خمسة عوامل مهمة تؤثر على عملية اتخاذ القرار وقسم الدول جغرافيا لدول كبيرة وصغيرة واقتصاديا إلى دول متقدمة ونامية وسياسيا إلى دول ذات نظام سياسي مفتوح ومغلق،أما العوامل المؤثرة فهي:
      1)        شخصية متخذ القرار: تحليل القيم التي ينطلق منها،خبرته،مهاراته،شخصيته..الخ.
   2)    الدور: السلوك الناتج عن الدور( أو المنصب) الذي تلعبه الشخصية:مثل مندوب دولة في الأمم المتحدة،وزير خارجية..الخ فهنا يتصرف بما يمليه الموقع.
      3)        العوامل الحكومية: العلاقة بين الأجهزة الحكومية: مثلا العلاقة بين الجهازين التنفيذي والتشريعي.
   4)    العوامل غير الحكومية: القيم،درجة التماسك الوطني،المنظمات غير الحكومية وغيرها من العوامل المؤثرة في رسم السياسة الخارجية.
      5)        النسق الإقليمي والدولي:وتأثيره على السياسة الخارجية
من هذا النموذج استخلص روسنو قواسم مشتركة للدول المختلفة،فقد لاحظ الآتي:
        · في الدول النامية يلعب عامل الشخصية الدور الأول في رسم السياسة الخارجية.
        · في الدول المغلقة(الشمولية) يجيء تأثير المجتمع في المرتبة الأخيرة.
    · في الدول الصغيرة جغرافيا يأتي عامل النسق الدولي والإقليمي في المرتبة الثانية بينما يأتي في المرتبة الرابعة في الدول الكبيرة.
وسنحاول استصحاب هذا الخلفية معنا والاستفادة منها في تحليل السياسة الخارجية لنظام الإنقاذ دون التقيد بمنهج محدد،إذ تفتح هذه المناهج الأذهان للعوامل والديناميات الهامة في تفسير السلوك السياسي لأية دولة.
السياسة  الخارجية للسودان:
تميزت السياسة الخارجية في السودان بالاعتدال في فترات طويلة من تاريخها وان أخذ عليها تركيزها على البعد العربي على حساب البعد الافريقي.ومع ذلك فقد شهدت فترات اتخذت فيها بعض الحكومات مواقف راديكالية أو محورية.
فبينما تميزت سياسات الحكومة الوطنية الأولى وحكومة نوفمبر بالاعتدال اتخذت حكومة أكتوبر الأولى سياسات ثورية فدعمت ثوار السمبا في الكونغو ضد حكومة شومبي وفتحت أراضي السودان لعبور الأسلحة وكذلك الحال مع ثوار إريتريا ،وباختصار ( مثلت السياسة الراديكالية حول القضايا الأفريقية خاصة في الدول المجاورة ابتعادا عن الاعتدال والتوازن الذي ميز سياسة السودان منذ الاستقلال،كما كان مردودها سلبيا على مصالح البلاد في افريقيا.كانت هذه السياسة سببا في التهاب الأوضاع في الجنوب)[5].عادت الحكومة الديمقراطية إلى نهج الاعتدال والتوازن وبدأت في إصلاح واعمار العلاقات الخارجية مع إثيوبيا  وشاد والكونغو،ونتيجة لذلك حظرت كينيا نشاط المتمردين في أبريل 1966 ومنعت الكونغو السياسيين والعسكريين الجنوبيين دخول أراضيها. وفي نوفمبر1966 أوقف السودان دعمه لثوار السمبا.وفي يناير 1967 تم الاتفاق مع إثيوبيا على ألا تنطلق من أراضيهما الأعمال التخريبية.وفي أكتوبر 1966 تم تسوية الخلاف مع شاد.[6]
أما النظام المايوي فقد عاد إلى سياسة الاستقطاب والمحورية فاتجه شرقا دوليا وفي اتجاه عروبي واضح إقليميا،ثم تحول غربا فيما بعد.وبعد الانتفاضة رجعت السياسة الخارجية سيرتها الأولى إلى نهج الاعتدال إلى مجيء الإنقاذ.   
نظام الإنقاذالبيئة الداخلية:
الحركة الاخوانية:
وجدت كل الأحزاب والحركات والتيارات الفكرية الوافدة في السودان بيئة متسامحة لذلك تمكنت من الانتشار مقارنة بدول المنطقة،فكانت حركة الاخوان المسلمين في السودان من أكبر الحركات الموجودة في المنطقة وكذلك الحزب الشيوعي السوداني.
وعلى طول تاريخها تمتعت تلك الحركة بالحرية فلم تتعرض للاضطهاد والمنع إلا بالقدر الذي وقع على الحركات والقوى الأخرى من قبل النظم الشمولية وعملت مع القوى السياسية مؤتلفة أو متحالفة.
وعلى الرغم من أهمية دراسة تطور الحركة الاخوانية ودراسة سلوكها السياسي واستخلاص نمط عام منه يوضح طبيعة الحركة: هل تلتزم الحركة بالاعتبارات الأيديولوجية أم هي حركة ميكافيللية؟وحتى لو كانت تلتزم بالأيديولوجيا على مستوى الأهداف ما هو سلوكها على مستوى الوسائل،على الرغم من أهمية ذلك إلا أنه ليس من أهداف هذه الورقة.ولكن من المهم الإشارة إلى أنه ومنذ وقت مبكر من تاريخها انتصر التيار السياسي على التيار التربوي[7]،وتحولت الحركة من حركة دعوية إلى حركة سياسية ضاغطة في بداياتها(لاعتبارات عملية فرضها ضعفها وقلة وزنها) ولكنها مع ذلك حركة تضع عينها على السلطة فقد تم تأسيس أول أسرة اخوانية داخل الجيش في مطلع الخمسينيات ،بل إن التفكير في العمل العسكري قد بدأ قبل ذلك (قبل انقلاب الرشيد الطاهر المراقب العام للاخوان المسلمين نوفمبر 1959) كما يقول د.حسن مكي: (ولكن تساقط جيل الطلائع العسكري الاخواني الذي مثله بشير محمد علي ،عبد الله الطاهر، عبد الرحمن فرح وعبد الرحمن سوار الذهب)[8].
وعلى عكس تعاملها مع نظام عبود تبنت الحركة الاخوانية نهجا ميكافيلليا هدف للاستفادة من التحالف مع سلطة مايو بغرض التمكين السياسي والاقتصادي في مفارقة واضحة لكل القوى السياسية والشعبية التي عادت ذلك النظام المعزول.واستمر تحالف الحركة الاخوانية مع النظام حتى سقوطه.جاء سقوط النظام المايوي مفاجئا للحركة وقياداتها،وحتى بعد اعتقال تلك القيادات في مارس 1985 استمرت توجيهاتهم لعضويتهم بعدم المشاركة في المظاهرات المناوئة للنظام باعتبارها احتجاجات عارضة لن تسقط النظام.[9]
ولما حدث التحول الديمقراطي في أعقاب الانتفاضة تبنت الجبهة الإسلامية القومية(وهو الاسم الجديد للحركة الاخوانية) خطابا تعبويا أيديولوجيا يقوم على مخاطبة عواطف المسلمين بشعار الشريعة الإسلامية ،وخطا سياسيا يقوم على مخاطبة المخاوف من الحركة الشعبية ومغازلة القوات المسلحة لتفادي العزلة السياسية (وليس العزل السياسي) التي جرها عليهم تحالفهم مع النظام المايوي.
ولأسباب محددة تم تغيير الائتلاف الأول في العهد الديمقراطي وتوسيعه في مايو 1987 فتكونت حكومة الوفاق الوطني التي ضمت الجبهة الإسلامية القومية.[10]
دخلت الجبهة الإسلامية الائتلاف بشرط معلن وهو تطبيق الشريعة في ظرف شهرين انقضيا وانقضت فترة طويلة بعدهما دون وفائها بوعدها.ولما توصل الحزب الاتحادي الديمقراطي لاتفاقية مع الحركة الشعبية عارضتها الجبهة الإسلامية بشدة،ويبدو للمتأمل أن من أهم أسباب ذلك الموقف هو تعبئتها لقواعدها في اتجاهات متطرفة.
كان النظام الديمقراطي يسعى لتحقيق أهداف محددة:انتشال الاقتصاد السوداني من مأزقه الذي وضعه فيه النظام المايوي والتوفيق بين تطلعات المسلمين في تطبيق الشريعة وبين ضرورات السلام والوحدة الوطنية.
أما الاقتصاد فقد سارت فيه الحكومة الديمقراطية سيرا حسنا نقل مؤشراته من خانة السلب إلى الإيجاب،فقد تحول نمو الدخل القومي من 12,8% إلى +12,3%.[11]
أما في مجال السلام فقد توصل النظام الديمقراطي لاتفاق مع الحركة الشعبية لتحرير السودان يقضي بوقف إطلاق النار وعقد المؤتمر القومي الدستوري في 18 سبتمبر1989.
وقع انقلاب الإنقاذ لقطع الطريق على النظام الديمقراطي الذي كان متجها لإنهاء الحرب التي كانت توفر مناخا مواتيا لخطاب الجبهة الإسلامية التعبوي المتشدد، لاسيما وأن مشاركتها في حكومة الوفاق قد جردتها من معارضتها الفاعلة.
ولما تم اجتماع القوى السياسية على برنامج القصر المرحلي كانت الجبهة قد فقدت كل مؤهلات كسبها في نظام ديمقراطي:المصداقية والشعبية فعزلت نفسها عنه واختارت طريق فرض رؤاها على الجميع عن طريق السلاح فدبرت الانقلاب.
هذه الخلفية هي التي حكمت علاقة نظام الإنقاذ مع القوى السياسية الأخرى،فقد استعدت الإنقاذ كل القوى السياسية والنقابية والشعبية التي كانت ممثلة في حكومة الجبهة الوطنية المتحدة التي تمخضت عن اتفاق كل تلك القوى السياسية في برنامج القصر المرحلي(مارس 1989) فاعتمدت الإنقاذ على قاعدة سياسية ضيقة:هي حزب الجبهة الإسلامية وكوادره في المؤسسة العسكرية فاتجهت لاتباع سياسة القمع مع كل القوى السياسية الأخرى.
المناخ الدولي عند قيام الإنقاذ:
زامن قيام الإنقاذ بروز تحولات دولية عميقة،فقد لبث النظام الدولي حينا من الدهر (1945-1989)متميزا بالقطبية الثنائية ومحكوما بقواعد الحرب الباردة.وقد وفر ذلك النظام الدولي استقرارا نسبيا.[12]قام ذلك الاستقرار على توازن القوى والردع المتبادل (Mutual Deterrence ) ووفر مجالا واسعا للدول الصغيرة للمناورة.
ومنذ أن أدرك قورباتشوف صعوبة استمرار ذلك الوضع بالنسبة للاتحاد السوفيتي (لعوامل كثير داخلية وخارجية) وأعلن البيروسترويكا( إعادة البناء الاقتصادي والإصلاحات الاقتصادية) والغلاسنوست(الانفتاح والإصلاح السياسي) دخل العالم في مرحلة جديدة وتوالى انهيار المنظومة الاشتراكية:فصعدت نقابة التضامن في بولندا ،وانهار جدار برلين،بل وسقط قورباتشوف نفسه مفسحا الطريق ليلتسين وتم تدشين النظام العالمي الجديد الذي بشر به الرئيس بوش الأب وحدد ملامحه : (بالخلو من الرعب والسعي نحو العدالة [13]وانتشار الديمقراطية التعددية وزوال الأنظمة الشمولية والالتزام بحقوق الإنسان وحكم القانون[14]).وبغض النظر عن بشريات الرئيس بوش فقد تميز النظام الجديد بمعالم مهمة نذكر منها:
      1)        بروز القطبية الأحادية
      2)        التغير في مفهوم السيادة
      3)        التغير في مفهوم السلم والأمن الدوليين
      4)        التغير في مفهوم حق الدفاع عن النفس
القطبية الأحادية:
أصبح في العالم نتيجة لتلك التطورات قوة أحادية عسكرية (ولو إلى حين) ونتيجة لذلك-كما لاحظ أحد الكتاب الصحافيين- أصبح من حق بوش أن يحلم أحلامه العظيمة بشأن الشرق الأوسط والمناطق الأخرى ساعده عاملان على ذلك:أولهما لم يعد هناك خوف من أن تقود التوترات الإقليمية إلى مواجهة بين القوى العظمى،وثانيهما لم يعد من الواجب على الولايات المتحدة الدخول في نزاع مع دول تزيدها شراسة رغبة موسكو في استمرار الاضطراب[15]. إضافة لذلك برزت تحولات أساسية في المفاهيم:
مفهوم السيادة الوطنية:
وهو باختصار سيادة الدولة على أراضيها وحقها في اتخاذ القرارات والسياسات والتشريعات فوق أراضيها،وحقها في الحصانة من التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية.
صحيح أن هذا المفهوم نفسه قد مر بأطوار كثيرة- لاسيما على الصعيد الداخلي- من فكرة السيادة الإلهية ثم الملكية فالجمهورية[16].
شهد مفهوم السيادة استقرارا نسبيا في النظام الدولي السابق-طوال فترة الحرب الباردة-أما في المرحلة الحالية فقد شهد تطورات نوعية إذ تم تدويل السيادة :إذ أصبح على الدولة أن تلبي شروط المجتمع الدولي لتتمتع بالسيدة على أرضها،فتقلصت حدود السيادة السياسية وزاد التدخل الدولي لا سيما تحت عناوين:التدخل الإنساني- حقوق الإنسان-حماية الأقليات وغيرها
وتنامى  دور المنظمات غير الحكومية.
اصبح التدخل يتم رغم أنف الدول عبر المنظمة الدولية أو حتى خارج مظلتها:كما حدث من حلف الناتو في كوسوفو.بل وتم وضع دول ذات سيادة تحت الإدارة الدولية مثلما حدث في كوسوفو وتيمور الشرقية اللتين وضعتا تحت إدارة دولية انتقالية[17].وقد بلغ التطور في مفهوم السيادة درجة جعلت الدولة القومية (Nation State  ) نفسها موضع تساؤل،وشاع الحديث عن :عولمة اقتصاد ما بعد الحداثة،القومية القبلية والاثنية ،الضغوط الدولية من أجل حقوق الإنسان، والاعتبارات فوق القومية(Supranational ) كمهددات للدولة القومية.[18]
مفهوم السلم والأمن الدوليين:
هذا المفهوم يرتبط بمفهوم السيادة ومفهوم حق الدفاع عن النفس.وقد حدث أيضا تطور أساسي في هذا المفهوم،إذ أصبحت النزاعات الداخلية في الدول والتجاوزات الشديدة لحقوق الإنسان مهددات من الدرجة الأولى حسب تعريف الأمم المتحدة والمهددات البيئية مهددات من الدرجة الثانية،وأصبحت الفكرة هي حماية النظام الدولي من الفوضى التي قد تنجم من النزاعات داخل الدولة.
وطبقا لتقرير الدفاع الاستراتيجي للناتو في سنة1998 يجب أن تعطى الأولوية للاهتمام بالمخاطر التي تؤثر على الاستقرار، مثل انقسام الدول وما ينشأ عنه من نزاعات دولية أو عبر الحدود ومخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة وانتهاك حقوق الإنسان وانتشار أسلحة الدمار الشامل وتصرفات الدول المارقة.[19] وعلى عكس فترة الحرب الباردة حيث كان الاهتمام بالدول القوية التي تؤثر في ميزان القوى أضحى الاهتمام الآن بالدول الأضعف أو الدول المنهارة (Failed States ) لارتباطها بالإرهاب والهجرة وعدم الاستقرار.[20]
وهناك تطور آخر وهو أن التدخل العسكري نفسه أصبح مصحوبا بآليات وإجراءات قضائية:مثل  المحاكم الجنائية.
مفهوم حق الدفاع عن النفس:
تبعا لتطور المفهومين السابقين تطور مفهوم حق الدفاع عن النفس.فلم يعد التهديد هو العدوان العسكري المباشر المعلن بل تطور ليشمل التهديد المحتمل والذي قد يكون :امتلاك أسلحة دمار شامل أو إيواء جماعات إرهابية أو غيرهما.وتطور هذا الحق ليشمل مفهوم الحرب الاستباقية لمنع التهديد المحتمل.ولم يعد هذا الحق يتم عبر الأمم المتحدة( حالة الناتو في كوسوفو).
حقوق الإنسان:
كما أشرنا أصبحت حقوق الإنسان شأنا عالميا وليس محليا وأصبح انتهاكها مبررا مقبولا للتدخل الدولي السياسي والاقتصادي والعسكري.وأصبحت حماية حقوق الإنسان والشفافية والديمقراطية مطالب سياسية تدخل في علاقات المؤسسات الاقتصادية العالمية مع الدول(مثل اتفاقية كوتونو-برنامج الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا NEPAD  وقبلها وثيقة السوق الأوربية التي ربطت المعونات بالحكم الصالح:احترام حقوق الإنسان ومحاربة الفساد والديمقراطية وحرية الصحافة.وظهرت مقاييس جديدة في تصنيف الدول منها مقياس أو مؤشر حرية الإنسان(Human Freedom Index  )[21]
السياسة الخارجية للإنقاذ:
نظام الإنقاذ والوعي بالمتغيرات
في مثل هذه البيئة الدولية برز نظام الإنقاذ للوجود،كانت هناك عوامل داخلية تشده للسير عكس التيار العالمي السائر نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان وقد أشرنا لطرف منها.ولكن النظام عانى من قصور شديد في إدراك جذرية التحولات الدولية ورجع إلى مفاهيم بالية في علاقاته الدولية وفي سياساته الداخلية.
اتبع النظام سياسة الخداع والتمويه لدواعي تأمين بقائه في مرحلته الأولى، وقد قوبل النظام بترقب من الأسرة الدولية وبترحيب من بعض الأطراف الإقليمية والدولية.فقد رحبت مصر بالانقلاب في بدايته.[22] وأحدث الانقلاب ارتياحا لدى الولايات المتحدة الأمريكية.فبالرغم من تطبيق الحكومة الأمريكية لقرار الكونغرس 513 القاضي بحجب العون عن أية حكومة تطيح بنظام تعددي بالوسائل العسكرية إلا أن مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية (هيرمان كوهين) قد نقل للرئيس البشير في 7 أغسطس 1989 تعاطف واشنطن مع حكومة السودان.وكذلك أبلغ السفير الأمريكي في لقائه بوكيل الخارجية السوداني في 12 نوفمبر 1989 أن قرار الكونغرس يحول دون تقديم العون للسودان إلا أنه سيسعى لإقناع الكونغرس برفع القرار عن السودان لأن الحكومة اتخذت خطوات مهمة في عملية السلام ومعاملة المسجونين السياسيين معاملة حسنة[23]).!.
لم يطور النظام الانقلابي ذلك الصمت الدولي (والترحيب في بعض الأحيان) بل سرعان ما دخل في صراع مفتوح مع كل جيرانه وإقليمه ومع العالم،وقد كان لطبيعة النظام وسياسته الداخلية أكبر الأثر في ذلك.
انعكاس السياسة الداخلية للإنقاذ على سياستها الخارجية:
      1)        ضيق القاعدة:
كما أشرنا فقد أطاح الانقلاب بالحكومة ذات التمثيل الأوسع في تاريخ السودان الحديث: إذ شملت تقريبا كل القوى السياسية داخل الجمعية التأسيسية ما عدا حزب الجبهة الإسلامية كما شملت القوى النقابية،بينما اعتمدت الإنقاذ على قاعدة سياسية ضيقة هي حزب الجبهة الإسلامية.لذلك اضطرت لاتخاذ إجراءات عديدة لإحكام سيطرتها .من تلك الإجراءات والسياسات ذات العلاقة المباشرة بموضوعنا:
        ·الفصل التعسفي:
حيث تم فصل أصحاب الكفاءة المهنية في الخدمة المدنية وإحلال العناصر الموالية مكانهم.وكانت النتيجة المباشرة لهذه السياسة ضعف أداء الخدمة المدنية:فقد تم إحالة الكوادر ذات الخبرة بالخارجية للصالح العام وتم تعيين سفراء ودبلوماسيين من حديثي التجربة مما انعكس سلبا على أداء الخارجية.
        · تكوين المؤسسات الموازية: (مجلس الصداقة الشعبية العالمية/المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي):
اتبعت الإنقاذ خلال سنواتها الأولى  سياسة تكوين المؤسسات الموازية إلى حين السيطرة على المؤسسات الرسمية بإحلال كوادر النظام فيها.وقد كان دور ونفوذ تلك المؤسسات كبيرا في صنع السياسة الخارجية  للبلاد.كان صنع السياسة الخارجية يتم عبر ثلاث جهات في فترة الإنقاذ الأولى هي :وزارة الخارجية-رئاسة الجمهورية- مؤسسات الدبلوماسية الشعبية.[24] وكما هو معلوم فقد كانت رئاسة الجمهورية نفسها تنفذ سياسة حزب الجبهة بل حسب إفادات رئيس الجمهورية أثناء أزمة انقسام الحزب الحاكم كانت رئاسة الجمهورية تنفذ سياسة زعيم التنظيم الاخواني الدكتور حسن الترابي.إذن فقد تم تهميش دور وزارة الخارجية ونجم تضارب بينها وبين المؤسسات الشعبية التي أصبحت المعبر عن توجهات الدولة الحقيقية والتي وجدت الرعاية من الدولة واستغلت إمكانياتها المادية والدبلوماسية  فعلى سبيل المثال استضاف المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي في عام 1995م 296 وفدا من 85 دولة.[25]وبلغ نفوذ المؤسسات الشعبية حدا جعل أحد مؤيدي النظام من الخبراء الاستراتيجيين يقول : (ونعتقد أن البعد الشعبي أصبح في أثره وقوته في هذه الفترة يوازي لأول مرة في السياسة الخارجية الشق الرسمي)[26].
وحينما تكاثرت الضغوط على النظام قدم مؤتمر القطاع الدبلوماسي بالحزب الحاكم في عام 1995 توصية بإنشاء جهاز تنسيق بين الدبلوماسية الرسمية والشعبية لضبط الأخيرة ومنع تضاربها مع الأولى.
        · انتهاكات حقوق الإنسان:
لجأ النظام في سبيل إحكام قبضته لقمع المخالفين بعنف شديد وأسفرت تلك السياسة عن انتهاكات بالغة لحقوق الإنسان مما جلب له ادانات منظمات حقوق الإنسان لاسيما مفوضية حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية.وسبب سلوكه حرجا وعائقا أمام الدول المتعاطفة معه.
      2)        الأيديولوجيا:
أعلن النظام عن توجهاته الأيديولوجية بعد فترة التأمين،وانعكس ذلك الإعلان في إعلامه وتوجهاته وبرامجه: فداخليا كفر النظام مخالفيه حتى من المسلمين وقمعهم وتبنى النظام سياسة الجهاد ضد الجنوبيين وصاحب تنفيذ تلك السياسة انتهاكات قاسية لحقوق الإنسان والحريات الدينية وممارسات جرت تهم الرق للنظام. وبسبب هذه السياسات والممارسات أصبحت المسألة السودانية مسألة داخلية في الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية.فمن بين أربعة أسباب لتوتر علاقة الولايات المتحدة بالسودان كانت ثلاثة منها تتعلق بمسائل داخلية هي:حقوق الإنسان-توصيل الإغاثة-والحرب الأهلية[27] وفي رواية أخرى:الرق- الاضطهاد الديني- الحرب الأهلية[28] .
أما خارجيا فقد جاء في برنامج الاستراتيجية القومية الشاملة في مجال العلاقات الخارجية:
"أن إستراتيجية العلاقات الخارجية تبني علي الأصول الثابتة التالية:
1-الإيمان بوحدة الخالق الذي ينبثق منه وحدة الإنسان في منشأه ومنتهاه وما  يتفرع عن ذلك من مبادئ الإخاء والمساواة والحرية والعدالة وتأكيد حق الشعوب في تقرير مصائرها واختياراتها.
2-مبدأ الرسالة العالمية الذي بمقتضاه تصاغ العلاقات الخارجية علي أساس التفاعل والتعاون لإعمار الأرض ... والقسط في التمتع بالثروات والقيام بواجب نصرة المستضعفين ونبذ الظلم.
وجاء فيها:
3-جعل السودان مركزاً للتحرر من الهيمنة الغربية الجائرة علي موازين القوي والتعامل ومأوي للمستضعفين ونصراً للمظلومين.
4-التعريف بالنموذج الحضاري الأصيل".[29]
وعلي خلفية الدولة الرسالية هذه جاءت سياسات الإنقاذ التالية والتي انتهت بالبلاد إلي عزلة سياسية مع الغالبية العظمي من دول الجوار والعالم وإلي إدانات من مجلس الأمن والأمم المتحدة وإلي ضغوط دولية أضرت بمصالح البلاد واضطرت  الإنقاذ للتراجع لدرجة التفريط في السيادة الوطنية.
:وفيما يلي   سرد مختصر لما حدث ويمكن تقسيمه لفترتين:
الفترة الأولي: 91-1996م:
في هذه الفترة تبنى النظام سياساته المتطرفة المذكورة أعلاه وبرزت أهم تجلياتها العملية في المواقف التالية[30]:
1- حرب الخليج (أغسطس 1990- يناير1991):
شكل غزو العراق للكويت واحتلاله له في أغسطس 1990 أول إختبار عملي لسياسة النظام الخارجية، إذ تبني النظام موقفاً راديكالياً لم يتقيد لا بالحق الذي يملي عليه رفض ذلك الاعتداء علي دولة ذات سيادة وتجاوز القانون الدولي والمنظمات الإقليمية والدولية ولا بمصالح البلاد الوطنية العليا. وبالطبع فإن حجة النظام بأنه يرفض التدخل الأجنبي ويريد إعطاء فرصة للحل العربي حجة  داحضة: ذلك أن إدانة الغزو وأسلوب أخذ الحق بالقوة –إن كان هناك حق- واجب أولي. ثم أن الإعلام الرسمي السوداني كان يتحدث عن الكويت  كمحافظة من محافظات العراق ‍ .
أما مؤسسات النظام الأخرى الجماهيرية والفئوية فقد كانت أكثر سفوراً في إعلامها ومواكبها ومظاهراتها.
إن موقف النظام من حرب الخليج وهجوم النظام وإعلامه الرسمي علي الدول العربية عامة والخليجية علي وجه الخصوص ومطالبته بتغييرها قاد إلي تدهور  مريع في علاقاته معها.
تكوين المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي:
وبعد انتهاء حرب الخليج مباشرة تبني النظام تكوين المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي من  التنظيمات والجماعات والأفراد المعارضين لحكوماتهم وتبني خطاباً أيديولوجيا صارخاً رافضاً الاعتراف بالشرعية الدولية ومكرساً للتدخل في شئون الدول الأخرى.
فتح الحدود:
فتح السودان أبوابه لكل المطرودين والمطاردين والمعارضين لأنظمتهم وسمح لهم بالدخول دون جوازات سفر أو تأشيرات مما جعله بؤرة تجمع فيها هؤلاء.
ومع انتهاء الحرب الأفغانية بخروج الاتحاد السوفيتي خرج ألوف من الأفغان العرب من أفغانستان. توجه جزء كبير من هؤلاء للسودان، حيث تم احتضانهم وإعطاؤهم جوازات سفر سودانية.
الإعلام الرسمي:
تبني الإعلام الرسمي في تلك الفترة رسالة إعلامية متطرفة بشرت بعذاب أمريكا وروسيا وبالصلاة في الفاتيكان وأساءت لرؤساء الدول العربية. ففي الإذاعة كان هناك  الحديث السياسي والأناشيد وفي  التلفزيون كان هناك برنامج في ساحات الفداء.
العلاقات الثنائية:
كانت لدى النظام أحلام توسعية إذ سعى النظام لإسقاط الأنظمة القائمة في المنطقة وإقامة أنظمة إسلامية بديلة. تبنى النظام تلك السياسة حتى مع أنظمة كانت صديقة أو حليفة له:
ففي إرتريا:
 اتهمت إرتريا النظام بدعم حركة الجهاد الإسلامي الإرتري التي قامت بتحركاتها انطلاقا من السودان وقدمت شكوى لمجلس الأمن في ديسمبر 1993.وفي ديسمبر 1994 تم قطع العلاقات  الدبلوماسية مع السودان.
وفي إثيوبيا:
 دعم النظام جبهة تحرير الارومو (باعتبارهم من المسلمين) وفي يونيو 1995 حدثت محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك بأديس أبابا. وفي سبتمبر95: فتحت إثيوبيا معسكرات للحركة الشعبية لتحرير السودان بناء علي اتهامها للسودان بتدبير محاولة اغتيال  الرئيس المصري وبدعم المعارضة الأثيوبية (الأرومو).
مصر:
بعد اكتشاف مصر لخدعة النظام بدأت العلاقات في الفتور تم التوتر لا سيما بعد أن أسفر النظام عن سياساته وتوجهاته. اتهمت مصر النظام بدعم الجماعات الإسلامية وتهريب السلاح لها عبر الحدود وتوفير ملجأ لقيادات التنظيم.
محاولة اغتيال مبارك:
   ·في يونيو1995 تعرض الرئيس المصري حسني مبارك لمحاولة اغتيال فاشلة بأديس أبابا. وفور رجوعه لمصر اتهم الحكومة السودانية بتدبير المحاولة.
تداعيات المحاولة:
   ·طالبت إثيوبيا وجهاز آلية فض النزاعات التابع لمنظمة الوحدة الإفريقية من السودان تسليم ثلاثة مصريين متهمين بالاشتراك في محاولة الاغتيال لمحاكمتهم في إثيوبيا.
   ·أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1044 في يناير 1996- بناءاً علي شكوى من إثيوبيا- الذي طالب فيه  السودان بتسليم المتهمين المذكورين لإثيوبيا في غضون 60 يوماً كما أدان المجلس محاولة الاغتيال وممارسات  حكومة السودان التي تدعم الإرهاب وتوفر للإرهابيين الملاذ الآمن.
   ·رفض نظام الإنقاذ ذلك القرار وشكل لجنة برئاسة المدعي العام للبحث عن المتهمين وإعلانهم تسليم أنفسهم للسلطات المحلية.
   ·ظهر أحد المتهمين في أفغانستان وأعلن براءة السودان من الضلوع في محاولة الاغتيال واعترف بأن آخرين كانوا في السودان ودخلوا إثيوبيا عن طريق السودان ولكنه نفي اشتراك السودان في المؤامرة.
        ·قدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً لمجلس الأمن أكد فيه أن السودان لم يلتزم  بتنفيذ القرار المذكور وبناءاً عليه:
   ·أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1054 وتم بموجبه فرض عقوبات دولية مخففة ذات صبغة دبلوماسية وسياسية شملت التخفيض الدبلوماسي للسودان وتقييد دخول مسئولي الحكومة السودانية وعدم عقد أي مؤتمر في السودان وأن تفيد الدول الأمين العام للأمم المتحدة بالخطوات التي اتخذت لتنفيذ القرار في ظرف 60 يوماً.
   ·في 17أغسطس1996 أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1070 بفرض حظر علي الرحلات الخارجية لطيران شركة الخطوط الجوية السودانية ولم ينفذ لأسباب إنسانية.
الولايات المتحدة الأمريكية:
   ·بعد تبني النظام لسياساته المذكورة آنفاً أدرجت الولايات المتحدة السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب في أغسطس 1993.
   ·    وفي نوفمبر1997 أصدر الرئيس الأمريكي مرسوماً رئاسياً بموجب قانون الطوارئ الدولية فرض بموجبه حظراً اقتصاديا علي السودان بسبب دعمه للإرهاب الدولي ومحاولته زعزعة استقرار الدول المجاورة وسجله المخزي في مجال حقوق الإنسان.
وبالرغم من أهمية العامل الأيديولوجي إلا أنه لا يبرر كل سلوك الإنقاذ،  فربما يحق لنا أن ننظر بعين الاعتبار للرأي القائل بأن ذلك السلوك لم يتم بدواعي أيديولوجية صادقة وإنما  هو شعار تم اتخاذه لسبب أو آخر.أما من الناحية الفكرية فان أيديولوجية العداء للغرب والولايات المتحدة لم تعرف عن الحركة الاخوانية السودانية.بل لقد تحالفت وشاركت في نظام مايو بعد تحوله للغرب ودخوله في المحور الأمريكي في المنطقة،وصمتت على التسهيلات العسكرية والمناورات المشتركة وترحيل الفلاشا وغيرها.ولعل ما يجعل التفسير الأيديولوجي لسلوك الإنقاذ مقبولا لدى القائلين به هو أن التفسير العقلاني القائم على المصلحة القومية في السياسة الخارجية لا يفسر سلوك الإنقاذ السياسي إلا إذا افترضنا افتراضا (وهو ليس ببعيد عن الحقيقة) وهو أن الإنقاذ لم تدرك المتغيرات الدولية فتصرفت تصرفات فتحت عليها كل جبهات الدنيا في وقت واحد،فتورطت في سياسات خاطئة ويائسة:مثل موقفها من غزو الكويت ومساندتها للانقلاب الشيوعي الفاشل في الاتحاد السوفيتي على الرئيس قورباتشوف في أغسطس 1991.
أما موقفها من غزو الكويت فقد يكون الدافع له هو تقدير النظام أن الغزو سيصبح أمرا واقعا وأنه إلى أن يتم جلاء العراق عن طريق التفاوض سيستغرق ذلك زمنا يقوم العراق أثناءه بمكافأة النظام على مساندته له.وهذا التحليل محتمل إذا نظرنا في ملابسات الغزو وأن العراق نفسه قد وقع ضحية لمثل هذا التحليل الذي لم يدرك المتغيرات لاسيما وأن سفيرة الولايات المتحدة ببغداد قد أوعزت للعراقيين قبل الغزو بألا شأن للولايات المتحدة بمسألة غزو العراق للكويت.
وربما يكون الدافع لذلك الموقف أيديولوجيا:بتقدير ذاتي من الحركة الاخوانية ونظام الإنقاذ،أو بإيعاز من جماعات إسلامية عالمية مرتبطة بالنظام.
ومهما يكن من أمر فان هذا الموقف يدل على عدم وعي النظام بالمتغيرات الدولية،ذلك الوعي الذي أدركه فيما بعد ولكن بثمن باهظ.
      3)        المسألة الاثنية:
ومع العامل الديني في السودان ارتبط العامل الاثني وهو عامل هام له تداخلات وانعكاسات خطيرة على السياسة الخارجية للبلاد.فقد تبنى النظام ثقافة مركزية قابضة هي الثقافة العربية الإسلامية التي تبناها النظام بفهم راديكالي عرقي وهمش الثقافات الأخرى.فتوسعت عوامل النزاع لتشمل الجوانب العرقية والدينية.وفي سعيه لاستقطاب الدعم لحملاته العسكرية استغل النظام العامل الاثني لاسيما في مناطق التماس- وجارته الحركة الشعبية في ذلك على نحو ما ذكر د. حامد البشير عن منطقة جبال النوبة إذ قال: "بتحريض من الطرفين الرئيسيين وهما الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان وحكومة السودان وتحت رعايتها، صار النزاع القبلي البيني في جبال النوبة جزءا من الاستراتيجيات العسكرية للإثنين، وكذلك جزءا من خطابيهما الأيديولوجيين- أي الأفريقية- المسيحية- الوثنية في الجانب الأول، إزاء الشعوبية- العروبية- الإسلامية في الجانب الثاني"[31].
وقد لاحظ الدكتور حامد "حدوث نقلة كمية وكيفية في النزاع العرقي والقبلي الداخلي بجبال النوبة وكذلك بكل منطقة التماس"[32]. وقد أعادت الحكومة تقسيم الإدارات الأهلية في جبال النوبة وفي غيرها من المناطق بغرض الكسب السياسي أو إضعاف الخصوم مما انعكس سلبا على التعايش، ففي منطقة جبال النوبة حلت الهوية العرقية –في التقسيم الجديد- محل الهوية الإقليمية التي كانت سائدة في الماضي والتي كانت تستوعب الهويات العرقية على تعددها"[33].
ونتيجة لتلك السياسات زادت المسألة الاثنية تعقيدا وتخطت الجوانب الثقافية لتأخذ أبعادا عرقية مباشرة بلغ من حدتها أن هددت النسيج الوطني الاجتماعي،بل وشعر بها حتى أعضاء النظام الحاكم من الاثنيات غير العربية.أما على الصعيد الخارجي فقد كسبت الحركة الشعبية تعاطفا مطلقا من الدول الأفريقية،كما كسبت تعاطف الكتلة السوداء(Black Caucus ) بالكونغرس الأمريكي.
ونتيجة لكل تلك السياسات تكون تحالف عريض بين اللوبيات المسيحية في الغرب والمهتمة بقضايا الاضطهاد الديني على المسيحيين،والمجموعات المدافعة عن السود والمهتمة بمحاربة الرق والتمييز العرقي( مثل الكتلة السوداء والجمعية الوطنية لتقدم الملونينNAACP  )ومنظمات حقوق الإنسان ومنظمات الإغاثة.
والنتيجة المهمة أن سياسة الإنقاذ الداخلية حولت المسألة السودانية من قضية خارجية بالنسبة للدول الأخرى إلى قضية داخلية تهم الناخبين والرأي العام وأوضح تجلي لذلك ما هو حادث في الولايات المتحدة.

الفترة الثانية: التراجع
بدأت نتائج سياسات النظام الكارثية تظهر عليه في شكل عزلة وتحالف دولي وإقليمي ضده. فبناء على قرارات آليات فض النزاعات في منظمة الوحدة الأفريقية أصدر مجلس الأمن قراراته 1044 و1054 و1070 وأصدرت أمريكا قبل ذلك قراراتها الخاصة بها ودخل النظام في عزلة دولية وإقليمية حادة وعزلة داخلية شعبية. وإذا كان لأية سياسة خارجية لكي تكون فاعلة ونافذة من شروط أهمها:
      ·        اتفاق وطني قومي على ثوابت السياسة الخارجية حتى تتحد الجبهة الداخلية وتلتف حولها.
      ·        قوة اقتصادية تسهم في تنفيذها.
      ·        قوة عسكرية.
      ·        وإعلام قوي له حجة واضحة.
      ·        وجهاز دبلوماسي مقتنع بالسياسة ومقتدر.
فإن نظام الإنقاذ قد وحد الجبهة الداخلية الوطنية ضده وأضعف البلاد سياسيا واقتصاديا وعسكريا وشرد الكفاءات الدبلوماسية وفشلت سياسته الخارجية فشلا تاما.هذا مع ملاحظة أن سياسته لم تكن عقلانية ولا حقانية ولا واقعية ولم تراع مصالح البلاد. لذلك دخل نظام الإنقاذ وأدخل البلاد نفقا مظلما فبدأ التفكير في التراجع هامسا ثم ارتفع شيئا فشيئا.
·  ففي مايو 1996م أكد رئيس النظام في خطابه أمام المجلس الوطني عزمه على تبييض سجل حكومته من تهمة الإرهاب وتحسين علاقاته مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول الجوار لا سيما مصر.
·     فتم طرد بن لادن في مايو 1996م.
·     وتم فرض تأشيرة الدخول على العرب والقيام بحصر الأجانب وطلب من بعضهم مغادرة البلاد.
·  وفي يوليو  1996تم لقاء الرئيس البشير بالرئيس المصري وأعلن النظام تجاوبه مع المطالب المصرية وتم لاحقا عقد اتفاقية أمنية تهدف لمكافحة الإرهاب وتسليم المطلوبين من الجماعات الإسلامية لمصر.
·     في يوليو 1996: التقى الرئيس السوداني بالأثيوبي في الكاميرون واتفقا على وقف تدهور العلاقات.
·  ثم أعلن النظام استعداده للتجاوب مع المطالب الأمريكية التي لخصها الرئيس الأمريكي كلنتون لدى اعتماده لسفير السودان بواشنطن الأستاذ مهدي إبراهيم في الآتي:
1.    التعاون في إنهاء الحرب الأهلية في الجنوب بالطرق السلمية والحوار.
2.    التعاون مع منظمات الإغاثة في الجنوب لإيصال المعونات الإنسانية للمتضررين في مناطق القتال.
3.    تحسين سجل السودان في مجال حقوق الإنسان.
4.    إحداث انفراج سياسي في شمال السودان.
        ·وفي1997 وقع  النظام على إعلان مبادئ مبادرة الإيقاد
        ·وفي مايو 1998 التقى د.الترابي بالسيد الصادق المهدي في جنيف واتفقا على ملتقى قومي جامع لكل القوى السياسية.
        ·وفي 1998 تم وضع دستور جديد واتسع هامش الحريات الصحافية والسياسية.
        ·وفي عام 1999 قبل النظام بالمبادرة المصرية الليبية المشتركة.
   · وفي عام 1999م تم تجميد المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي وقطع النظام علاقاته مع الجماعات الراديكالية والإرهابية (على سبيل المثال تم تسليم كارلوس لفرنسا) وفتح أبوابه لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية للتأكد من ذلك.
   ·وقد علق  التقرير الاستراتيجي (الحكومي) لعام 1998م على تلك التحولات قائلا:(المؤامرات التي تعرضت لها البلاد والأزمات التي واجهتها على الساحة الدولية قد زادت من ترسيخ أقدام التيار البراقماتي  مما صبغ السياسة الخارجية بتغليب المصلحة القومية على الأيدلوجية وانعكس اعتدالا عاما في مجمل هذه السياسة، بذلك فقد بدأت السياسة الخارجية السودانية رحلة عودتها للاتجاه المعتدل الذي ميزها منذ الاستقلال).
·  وتحت وطأة الضغط الداخلي الخارجي وتصاعد الحرب الأهلية وانفتاح عدة جبهات جديدة أصبح النظام يقدم مزيدا من التنازلات.
·     فتم التعاون الأمني مع الولايات المتحدة لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر والعسكري مع يوغندا
·     وتم التجاوب مع وساطة الإيقاد الدولية بقيادة الولايات المتحدة التي أفضت إلى اتفاقيات ماشاكوس وكارن.
ومع كل هذا سارت العلاقات الخارجية للنظام سيرا بطيئا بسبب أزمة الثقة والشك الذي يحيط بالنظام.
دروس مهمة من تجربة الإنقاذ في مجال العلاقات الخارجية:
      1)        الديمقراطية والالتزام بحقوق الإنسان  ضرورة لعلاقات خارجية سوية وللتنمية ولتحقيق السلام
   2)   ضرورة وضع سياسة خارجية عقلانية ومتوازنة وواعية بقدرات البلاد وبالبيئة الدولية تحقق المصالح القومية العليا للبلاد.
      3)        ضرورة خلق إجماع قومي حول سياسة البلاد الخارجية وعدم انفراد جهة برسمها وفقا لرؤيتها الأيديولوجية أو الحزبية.
      4)        ضرورة ضمان قومية مؤسسات الخدمة المدنية واتخاذ معايير العدالة والكفاءة في الاختيار والتدرج.
         



[1] Ryan K. Beasley, Juliet Kaarbo, Jeffrey S. Lantis, and Michael T. Snarr, eds. Foreign Policy in Comparative Perspective: Domestic and International Influences on State Behavior.  
Reviewed by James JF Forest,
Published by H-Teachpol (June, 2002)

[2] عبد الغفار محمد أحمد: مشكلة الجنوب والصراع في منطقة البحيرات الكبرى ص 2
[3] Steven J. Campbell :Role Theory, Foreign Policy Advisors, and U.S. Foreign Policymaking
Presented to the International Studies Association 40th Annual Convention, February 16–20, 1999
 4 Ryan K. Beasley and others.op.cit
[5] د.محجوب الباشا: التنوع العرقي والسياسة الخارجية في السودان ص 188
[6] نفسه 188-192
[7] د.حسن مكي محمد أحمد:حركة الإخوان المسلمين في السودان 1944-1969
[8] د.حسن مكي ،نفسه ص 93
[9] شهادة جمال عنقرة في صحيفة أخبار اليوم
[10] الصادق المهدي : الديمقراطية في السودان عائدة وراجحة  ص26
[11] قطاع الدراسات والبحوث بحزب الأمة (تحرير) :ماذا خسر السودان بقيام الإنقاذ
[12] د.عصام عبد الله: السياسة الأمريكية وتآكل مفهوم الدولة محاضرة بمركز زايد أكتوبر2002.وانظر أيضا:
John Gaddis: We Now Know: Rethinking Cold War History. Reviewed by Howard Lenther
[13] د.حسن الحاج علي:الآثار السياسية للعولمة  في العولمة:المدارات الثقافية والاقتصادية والسياسية    -مركز الدراسات الاستراتيجية يوليو1998
[14] Kamal O.Salih (Dr.): The Impact of the New World Order on Africa ( unpublished paper)
[15] www.zmag.org/chomsky Noam Chomsky: Ideology: Lies of Our Times –October 1991
الصحافي المشار إليه هو أبل من نيويورك تايمز
[16] د.محمد قدري سعيد: ثورة في الشؤون الدولية: في مجلة قراءات استراتيجية مارس 2001 مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية
[17] نفسه
[18] Christian Joppke: Challenge To the Nation State: Immigration in Western Europe and the United States Reviewed by Eric C. Jones, The Journal of Ecological Anthropology,1999 vol.3
[19] د.محمد قدري سعيد: مصدر سابق
[20] د.حسن الحاج علي:السياسة الأمريكية تجاه السودان: التحول من السياسة الخارجية للسياسة الداخلية.ورقة مقدمة لمؤتمر العلاقات السودانية الأمريكية ،يناير 2003 الخرطوم.
[21] Kamal O. Salih op.cit
[22] د.حسن الحاج علي: السياسة الخارجية للإنقاذ تجاه دول الجوار الأفريقي.  ص 3 ورقة مقدمة لمؤتمر أركويت  13 حول السودان ودول الجوار الخرطوم 2000
[23] إدارة الشؤون الأمريكية بوزارة الخارجية السودانية:التسلسل التاريخي (كرونولوجيا) العلاقات السودانية الأمريكية منذ الاستقلال وحتى نهاية سبتمبر 1998 ص 3
[24] د.حسن الحاج على:السياسة الخارجية سابق ص4
[25] نفسه ص7
[26] نفسه ص 4
[27] إدارة الشؤون الأمريكية :سابق ص 6
[28] د.حسن الحاج على :السياسة الأمريكية :سابق ص 8
[29] د.حسن الحاج علي:السياسة الخارجية ،سابق ص 2
[30] قطاع الدراسات والبحوث (تحرير):سابق ص 
[31] د.حامد البشير: محاولة لفهم العلاقات القبلية وديناميات الحرب والسلام في جبال النوبة ص 161
[32] نفسه، ص 163
[33] نفسه ص 165