الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

بسم الله الرحمن الرحيم
إجترار ..كتابات قديمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الإثنية والديمقراطية في السودان:
نحو ميثاق ثقافي

د. عبـــد الرحمـــن الغالـــــــــي الجعلي

ورقة مقدمة لمركز الدراسات السودانية
ندوة الإثنية والديمقراطية في السودان
الخرطوم في: 18 - 19 مايو 2002م
مقدمة:
تكتسب مسألة الإثنيات في عالم اليوم أهمية كبرى ، فبعد أن ساد اعتقاد في خواتيم القرن المنصرم بأن الإنسان في ترقيه سلم الحداثة سيصل إلى درجة تتلاشى فيها الانتماءات الإثنية والثقافية ليحل محلها الانتماء الطبقي في الزعم الماركسي، أو ليحل محلها الإنسان الأخير –حسب تعبير فوكوياما-[1] جاءت الوقائع لتكذب هذه النبوءات وليشهد العالم تصاعدا في الاهتمام بهذه الولاءات والانتماءات. ويبدو أنه كلما زاد تعرض المجتمعات لموجات التحديث الرأسمالي أو الشيوعي –في السابق- أو لموجات العولمة حاليا، كلما زادت حماستها للبحث عن جذورها، وما تجارب تركيا ودول آسيا الوسطى وجمهوريات الاتحاد السوفيتي ببعيدة عن الأذهان.
ويتخذ البحث عن الجذور صيغا متعددة ربما قادت برد الفعل إلى مشاكل كثيرة، ولكن هناك نمطان سائدان لمثل هذا النوع من ردود الأفعال: الأول تبني ثقافة مركزية قابضة تغمط الثقافات الوطنية الأخرى حقها في التعبير عن نفسها، والثاني: مواجهة الثقافة العالمية بالرفض والانغلاق.
وكما فشلت محاولات إقصاء الثقافات المحلية من جهة، تسببت ردود الفعل المتعصبة لهذه الثقافات في تهديد الوحدة الوطنية وانفجار حروب أهلية من جهة أخرى.
لقد وصل العالم اليوم إلى نتيجة مؤداها أن هذه الانتماءات الثقافية والإثنية حقائق يجب التعامل معها بالاعتراف. فهي من الناحية الأخلاقية حقوق مشروعة يجب الاعتراف بها. ومن الناحية العملية ثبت أن محاولات فرض الأنماط الحداثية على المجتمعات، ومحاولات إلغاء هذه الانتماءات تأتي بنتائج عكسية مثلما لاحظ تقرير لجنة الجنوب –وهي لجنة كونتها الأمم المتحدة لبحث قضايا التنمية في جنوب الكرة الأرضية وأصدرت تقريرا عام 1990م- لاحظ التقرير بحق أن الاستخفاف بالبعد الثقافي كان عاملا أساسيا في فشل مشروعات التنمية في دول العالم الثالث.
أما بالنسبة للسودان، فقد اصبح هذا الموضوع –موضوع الانتماءات الثقافية والإثنية وكيفية التعامل معها- من المواضيع الملحة. فقد صار مدخلا لفتنة وطنية تنذر بالإطاحة بكيان البلاد، وأصبح مدخلا من مداخل التدخل الأجنبي. لذا وجب تدارسه بروح التجرد وصولا لتصحيح أخطاء الماضي، وللاتفاق على أسس تكفل العدالة والمساواة في البلاد.
في هذه الورقة أتناول مسألة الإثنية والديمقراطية في السودان، وصولا لميثاق ثقافي يحل قضية التعدد والتنوع بوضعها الحالي كقضية تعاني البلاد من التعامل غير الموزون معها، وذلك عبر العناوين الآتية:
1.     مفهوم المجموعات الإثنية والاستعلاء الإثني.
2.     صعود ظاهرة الإثنية في العالم.
3.     السودان والتنوع الإثني.
4.     التعايش السلمي في السودان.
5.     المسألة الإثنية والسياسة في السودان.
6.     التصعيد وتنامي المشكلة.
7.     الديمقراطية والإثنية
8.     نحو ميثاق ثقافي.

1- مفهوم المجموعات الإثنية والاستعلاء الإثني

بدون الدخول في مماحكات أكاديمية أو معجمية فإن هناك سمات عامة يمكن الحديث عنها في هذا الشأن. لذلك سنأخذ أي تعريف للمجموعة الإثنية ثم  نضيف إليه السمات العامة المهمة التي تلقي ضوءا على موضوع حديثنا. وإذا أخذنا تعريف هـ. موريس للمجموعة الإثنية، نجده يعرفها بأنها "مجموعة محددة تختلف ثقافتها عن المجتمع الكبير الذي تعيش فيه، ويعتقد أفرادها أو يعتقد الآخرون أنهم يرتبطون بأواصر عرقية أو وطنية أو ثقافية مشتركة"[2]. وانطلاقا من هذا التعريف على علاته يمكن أن نضيف سمات معينة أجمع الباحثون على أهميتها في تحديد المجموعات الإثنية وهي تحديدا:
1/ الشعور بالانتماء المشترك الذي يتمثل عادة في  التاريخ الطويل المشترك لأعضاء المجموعة.
2/ التفرد الثقافي الذي يتمثل في اللغة والدين..الخ.
3/ الجانب العرقي: الانتماء لأصول عرقية مشتركة بين أفراد الجماعة.
4/ الإقليم أو الجهة، حيث تتركز المجموعة الإثنية في إقليم معين داخل وحدة سياسية أكبر[3].
وغني عن القول أن أهمية تلك العوامل الأربعة تتفاوت من مجتمع لآخر. فعنصر الدين مثلا يكتسب أهمية حاسمة لأقليات مثل الأقباط في مصر، والشيعة في دول ذات أغلبيات سنية، ولانجد له نفس الأهمية مثلا بالنسبة لدول مثل أفغانستان وباكستان التي بهما قدر عال من التجانس الديني والتباين الإثني. بينما يكتسب الجانب العرقي أهمية في نيجريا حيث أظهرت دراسة أجريت حول قبول تطبيق الشريعة الإسلامية بين المجموعات الإثنية المختلفة ، أظهرت تفاوتا كبيرا بين تلك المجموعات إذ وافق 89% من الهوسا المسلمين على التطبيق بينما لم تتعد النسبة 32% من مسلمي اليوربا!.   ويكتسب عنصر اللغة أهمية أعلى على ما عداه مثلا عند الأكراد في دول المشرق العربي، وهكذا[4].  
الاستعلاء الإثني Ethnocentrism
قلما يخلو مجتمع بشري من هذه الظاهرة والتي يمكن شرحها حسب د. الجوهري "بميل الجماعة لتفخيم نفسها وقيمها والتقليل من شأن الجماعات الأخرى وقيمها، وكما يقول وينيك Winik: الشعور بأن أسلوب الحياة الخاص بالجماعة التي ينتمي إليها الفرد وقيمها وأنماطها في التكيف أسمى من كل ما عداها. ويقترن هذا الشعور باحتقار شامل لأفراد الجماعات الأخرى"[5]. أو بحسب تعريف موسوعة المعارف البريطانية المختصر الجامع: "النزعة لتفسير أو تقييم الثقافات الأخرى بمقاس ثقافة الشخص المعني"، وقد وجد أن هذه النزعة تسود بصورة أكبر غالبا بين الأمم الحديثة عنها بين القبائل البدائية[6].

2-  صعود ظاهرة الإثنية في العالم

نشأت الدولة القومية في أوروبا معتمدة على الإثنية بصورة أو أخرى وذلك في أعقاب صلح وستفاليا الذي أنهى الحروب الدينية في 1648م. ومع ذلك فإن الدول المتجانسة إثنيا لا تشكل أكثر من 10% من مجموع دول العالم في مقابل 90% من الدول متعددة الإثنيات[7]. وكان هناك اعتقاد بأن مسألة الانتماء الإثني في طريقها للاضمحلال إن لم يكن الزوال، ولكن الواقع الحالي كذب تلك التنبؤات إذ أخذت هذه الظاهرة في الصعود لا سيما بعد انتهاء الحرب الباردة (1991م) فظهرت هذه المسألة في الاتحاد السوفيتي السابق ودول أوروبا الشرقية لا سيما يوغسلافيا، ويعزي بعض الباحثين هذا الصعود لاضمحلال الأيديولوجيات وسقوطها. وفي كثير من بلاد العالم الثالث تلعب عوامل داخلية أدوارا رئيسية في صعود الظاهرة مثل القمع الثقافي ومحاولة فرض ثقافة مركزية، مما يؤدي لردود فعل دفاعية متحصنة بالهوية الإثنية، وكذلك يؤدي قهر النظم الديكتاتورية بتلك الجماعات لالتماس وسائل التعبير السياسي عبر الانتماء العرقي والقبلي. وتدفع الديمقراطية المعيارية التي لا تراعي الأقليات بتلك الأقليات إلى سلوك دفاعي يحميها من تغول الأغلبية الميكانيكية على خصوصيتها، كما تلعب عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية أدوارا مماثلة في بيئات معينة إذ يتم تسييس الانتماء الإثني للضغط لتحقيق مطالب معينة.. وهكذا.

وقد أشار مؤتمر دربان ضد العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب إلى اضمحلال الدولة القومية التقليدية وأن التعدد الإثني سيصبح السمة الغالبة على دول العالم، لذلك اقترح مجموعة من الحلول والمعالجات بعد أن شرح بأن النزاع الإثني ليس حتميا في الدول متعددة الإثنيات، وبإمكان الحكم الرشيد أن يلعب دورا محوريا في تجنبه بعدة سياسات منها: إشراك الأقليات وحماية حقوقها ومصالحها، الاهتمام بها في السياسات التعليمية واللغوية وفي السياسات العامة مثل تمليك الأراضي..الخ. كما دعا إلى صك قوانين لمحاربة العنصرية –باستحداث عقوبات شديدة على الجرائم التي تحركها العنصرية- واستخدام وسائل لضمان المشاركة مثل المسح الإثني للتأكد من مشاركة الإثنيات المختلفة في الوظائف العامة والقيام بالحملات التعبوية لنشر الوعي الجماهيري. كما دعا المؤتمر الحكومات إلى التأكد من تمتع الأقليات بالحقوق الأساسية المكتوبة في الواقع. كما دعا إلى تمثيل كل المجموعات الإثنية في الأجهزة المناط بها تنفيذ تلك السياسات –لا سيما الشرطة التي تباشر حماية الأقليات على أرض الواقع. كما دعا المؤتمر الأقليات إلى الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها[8].
وفي هذا السياق، فقد كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة تبنت "إعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية أو دينية أو لغوية" في عام 1992م. وبصفته الآلية الوحيدة التي تخاطب عبرها الأمم المتحدة هذا الموضوع، فيمكن النظر إليه كنقطة مرجعية للمجتمع الدولي يحتوي على قائمة لحقوق الأقليات. ولأهميته في موضوعه نورد أهم نقاطه وهي:
- حق الأقليات في الاستمتاع بثقافاتها الخاصة بدون تدخل.
- حق المشاركة في القرارات على المستوى القومي.
- على الدولة أن تقوم بإجراءات في حقول التعليم لتشجيع المعرفة بتاريخ وتقاليد ولغة وثقافة الأقليات الموجودة في أراضيها.
- تطبيق سياسات وبرامج قومية مع مراعاة مصالح الأقليات.
- مراقبة متعددة الأطراف لإلتزام الدول بتعهداتها الدولية في حماية حقوق الأقليات. وفي هذا الصدد تشترك في هذه المسئولية: مفوضية حقوق الإنسان- اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات- لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية- ولجنة القضاء على التمييز العنصري. وهناك مجموعة عمل حول الأقليات تم تكوينها لمراجعة تطوير وتنفيذ الإعلان. وتمثل نقطة ارتكاز للأمم المتحدة في مجال حماية الأقليات، كما تمثل المنبر الأساسي للحوار البناء مع الحكومات حول معاملة الأقليات.[9]

3- السودان والتنوع الإثني

السودان من أكثر بلاد إفريقيا بل ومن أكثر بلاد العالم تنوعا إثنيا وثقافيا. وتختلف الروايات في تحديد المجموعات الإثنية واللغوية التي يضمها بين أحشائه باختلاف الرواة وطرائق تصنيفاتهم:
·   فالدكتور محمد عمر بشير –رحمه الله- يتحدث عن اكثر من 5 مجموعات عرقية تشمل أكثر من 590 مجموعة فرعية وتتخاطب بحوالي 115 لغة بجانب العربية[10].
·   والدكتور سيد حامد حريز يتحدث عن وجود لكل المجموعات (العوائل) اللغوية الكبرى بإفريقيا ماعدا لغات الخويسان[11]. ومن المعروف أن تلك المجموعات هي: العائلة الآفروآسيوية، والنايلو صحراوية، والخويسانية، والنيجر كونغولية[12].
·        والدكتور عبد الله علي إبراهيم يتحدث عن 150 لغة[13].
·        والدكتور الأمين أبو منقة يتحدث عن وجود 15 فرع لغوي في السودان من جملة 22 فرعا موجودا في إفريقيا[14].
·        وبحسب موقع مكتب الكونغرس على الانترنت،  هناك 600 مجموعة إثنية في السودان تتحدث أكثر من 400 لغة ولهجة[15].
·        وبحسب موسوعة المعارف البريطانية فبالسودان 19 مجموعة إثنية رئيسية وحوالي 597 مجموعة فرعية ويتحدثون أكثر من 100 لغة ولهجة[16].
·        وبحسب موقع "المسيحي الأفريقي" يضم السودان أكثر من 14 مجموعة إثنية تتحدث 117 لغة[17]. 
·    موقع آخر هو موقع ألتابيدا يذكر أن السودان يحتوي على 56 مجموعة إثنية واكثر من 595 مجموعة فرعية، ويتحدثون أكثر من 915 لغة غير العربية. تقسيم هؤلاء بحسب الأديان هو: أغلبية مسلمة (73%)، اديان محلية (17%) ومسيحيون (8%)[18].
وهناك غيرها الكثير من الأرقام المختلفة التي تعكس التفاوت الكبير بين تقديرات التنوع الإثني واللغوي. ننتقل منها إلى الحقائق التالية المأخوذة من إحصاء 1956م:
اللغة العربية يتحدث بها 51 % من السكان.
اللغات النيلية يتحدث بها 17,7% من السكان. 11% يتحدثون بلغة الدينكا[19].
ويتحدث 12.1% بلغات غير العربية في الشمال[20].

4- التعايش السلمي في السودان

ومع هذا الثراء والتنوع والاختلاف الإثني والديني فمما لا شك فيه أن السودان يتميز بدرجة عالية من التسامح والاحتمال لا توجد على الأقل في الإقليم المجاور له ولا في الحالات المشابهة له. وهناك مقولات حديثة تحاول أن تشكك في هذا الواقع[21]. ولكن هناك شواهد وشهادات كثيرة تعضد هذه الحقيقة:
فمن حيث التسامح الديني: نجد أن الأديان قد دخلت سلميا فيخبرنا الأب جوفياني فانتيني في كتابه القيم "المسيحية في السودان" عن الدخول السلمي للمسيحية إذ اعتنقها وزير الكنداكة سنة 35م[22].  كما يخبرنا أيضا عن الدخول السلمي للإسلام  في السودان، ويورد رواية ابن الأثير عن أداء المسلمين لصلاة العيد في دولة علوة المسيحية خارج سوبا العاصمة. بل ويذهب الأب إلى أكثر من ذلك، يرى في اتفاقية البقط معاهدة سياسية وتجارية لا مثيل لها في تاريخ الشعوب القديمة، إذ استمرت سارية المفعول لمدة 600 سنة. يلتزم فيها الطرفان بتزويد بعضهما البعض بالسلع الناقصة في بلاد الطرف الآخر، وبعدم التعدي على أرضه. ويشير الأب إلى الازدهار الثقافي المتمثل في تشييد الكنائس وفقا للنماذج المعمارية في الشرق الأقصى مما يدل على التبادل الثقافي بين النوبة وبلاد البحر المتوسط، رغم وجود الدولة الإسلامية إلى الشمال[23]. وإلى مثل هذا أشار عبد الهادي الصديق –رحمه الله- في كتابه السودان والأفريقانية[24].
وقد دخل الإسلام وانتشر –كما أشرنا- سلميا بالتثاقف،  وتأثر وأثر في السكان المحليين. وإلى مثل هذا أشار البروفسور أوفاهي متحدثا عن الطقوس في سلطنة الفور: "هذا الوصف لمجموعة الطقوس ليس كاملا فالهدف منه ليس إثنوغرافيا وإنما أكثر لإلقاء الضوء  على حيوية تقاليد الفور وبطء استجابتها للإسلام"[25].
ويرصد عبد الهادي الصديق استمرار بعض العادات الباقية من الأديان السابقة مثل عادات الوشم ورسم الصليب على أيدي النساء وغسل وجه الطفل الوليد بماء النهر (التعميد) وزفاف الزوجين إلى النهر وقطع جريد النخل الأخضر..الخ[26].
وهناك الهجرات الكثيفة التي توالت على البلاد ماضيا وحاضرا ومن مختلف الجهات مما يدل على درجة مقبولة من التسامح. فالهجرات من غرب إفريقيا استمرت لقرون. وكذلك الهجرات العربية وقد أشار الدكتور خالد المبارك إشارة ذات دلالة مهمة في مقال له بأن الحكومات السودانية سمحت بالهجرات الكثيفة الواردة من غرب إفريقيا بينما لم تتسامح مع هجرات مماثلة من الشمال العربي[27]. كما أشار أيوب بلامون إلى الهجرات الكثيفة من غرب إفريقيا للسودان منذ مجيء الحكم الثنائي، وحتى عام 1956م والتي تمت كسياسة بريطانية متعمدة لاستغلال هؤلاء كقوى عاملة في المشاريع الزراعية لا سيما وقد حظرت تلك الإدارة على الجنوبيين العمل في الشمال. وتضجر من استمرار هذه الهجرات حتى وقتنا الحاضر قائلا: "إنه من السذاجة الإدعاء بان السودان قطر يمتلك بالوراثة خاصية استقبال الأجانب بصورة استثنائية أو يمتلك قدرة طبيعية على الدمج تمكنه من امتصاص هذه الهجرات الكبيرة والمفاجئة لأعراق أخرى تحمل معها ثقافات تختلف جذريا عن السكان الأصليين، على سبيل المثال: القبائل النيلية والأقباط المولدين"[28]. ومهما تكن وجاهة حديثه فإن الدلالة الأهم هي إثبات التسامح السوداني في استقبال هؤلاء المهاجرين الذين جذبتهم إلى السودان عوامل جذب دينية واقتصادية وعوامل طرد في أوطانهم الأم.. فقد جعلت طبيعة السودانيين المتسامحة السودان أكبر مستقبل للاجئين في أفريقيا.
أما من حيث التعايش الإثني والقبلي فقد كان السودان يتمتع بدرجة مقبولة بالمقارنة إلى محيطه على أقل تقدير. ونحن هنا لا نريد أن ننفي التحيزات، والاستعلاء الإثني والثقافي، ولا المظالم التي بدون الاعتراف بها لن يكون هناك أمل في المستقبل. ولكن نود أن نشير إلى واقع كان موجودا ثم حدثت تراجعات خطيرة.
وقد أشار الدكتور فرانسيس دينق إلى اعتراف القبائل العربية بوالده وجده كقيادات في مجالس الدينكا والعرب رغم أنهما يمثلان أقلية عددية في تلك المنطقة"[29].
وهناك إشارات أكثر دلالة ذكرها الدكتور حامد البشير في منطقة جبال النوبة إذ تقوم القبيلة والإدارة الأهلية على مفهوم فضفاض للاتحاد القبلي الفدرالي والكونفدرالي، يبنى على الجغرافيا وليس على العنصر إذ تضم القبائل إثنيات مختلفة وتتم فيها تحالفات بين بطون العرب والنوبة ربما اقتضت مصلحتهما المشتركة محاربة طرف أقرب عرقيا. ويشير كذلك إلى أن أسباب النزاعات في تلك المنطقة كانت على المصالح الاقتصادية وليس بسبب الاختلاف العنصري[30].
5- المسألة الإثنية والسياسة في السودان
لم ينظر محمد علي باشا للسودان إلا كمستودع للرقيق الذين يمكن أن يسخرهم بناء جيشه.[31] وقد حصل في سنة واحدة على 30 ألف مجند أسود أغلبهم من الدينكا. واستمرت هذه الأعداد في ازدياد، ولما هبت الثورة المهدية في السودان خرجت أعداد كبيرة من  المجندين السودانيين إلى مصر. وشكلوا قسما مهما في الجيش المصري، فقد قدرت أعدادهم بـ 3700 سوداني من تعداد الجيش البالغ 12 ألف جندي. عاد معظم هؤلاء في حملة كتشنر وفي عام 1924م كان عدد السودانيين في الجيش المصري 11 ألفا من أصل 13 ألف جندي[32].
قامت الدولة المهدية على فكرة دينية، وقامت بجهود قصدية لتجاوز العصبيات الإثنية والقبلية تمثل ذلك في سلوك قادتها الشخصي وفي سياسات الدولة التي كان يتم التصعيد فيها على أسس ليست من بينها الانتماء العرقي. كما أن موقف المهدية كان متقدما في مسألة التعامل مع قضية الرق من التركية التي سبقتها ومن الحكم الثنائي الذي أعقبها، وفي هذا السياق ذكرت يوشيكو كوريتا الآتي: "يجدر بنا أن نسجل أن استيعاب القسم الرئيسي من العبيد الذكور في جيش الدولة المهدية قد ساهم إلى درجة معينة في الارتفاع نسبيا بالمكانة الاجتماعية للزنوج المنبتين قبلياDetribalized Negroes في هذه الدولة الثورية حتى لو ظل المواطنون العرب يحملون تحيزاتهم العنصرية والثقافية"[33].. "لقد هرب العديد من سادتهم وانضموا للجهادية ليحصلوا على الحرية"[34]. وذكرت الملاحظة التالية: "كذلك لاحظ مراقب مصري موقفا متسامحا نسبيا أبداه المشاركون في الثورة المهدية تجاه الجهادية والضباط السودانيين الذين حاربوا إلى جانب حكم أسرة محمد علي، ثم استسلموا لجيش المهدية، مقارنة بمعاملتهم القاسية للضباط المصريين"[35].
لقد ساهمت المهدية في التجانس والانصهار الاجتماعي في السودان بينما أعاقت أيديولوجيتها الدينية المشاركة الفاعلة لغير المسلمين ومع ذلك تجاوبت معها كثير من قبائل الجنوب"[36].
وإبان المساجلات الخطابية التي جرت بين الصادق المهدي وجون قرنق بين عامي 1999 و2000، استشهد الأخير بكتاب نقد عن موقف المهدية تجاه الرق، ورد عليه المهدي بأن القراءة المتمعنة للكتاب المذكور تفيد العكس، فالمعلومات التي ساقها نقد تجعل المقارنة  بين موقفي المهدية والحكم البريطاني من مسألة الرق لصالح المهدية، فقد أشار إلى أن المهدية اتخذت إجراءات عملية حاصرت الرق إذ منعت تصدير الرقيق ومنعت تجنيدهم في جيوش خاصة وأعتقت من انضم للجهادية وضيقت أسواق الرق بينما استمر الحكم البريطاني متسامحا مع الرق ولم يأمر بإلغائه قرابة الأربعين سنة"[37].
وقد استبطن البريطانيون والأوربيون الذين عملوا في إدارتهم نزعة عنصرية في تعاملهم مع الجنوبيين نم عنها حديث سلاطين –النمساوي الأصل- عن الجنوبيين كزنوج لا يستحقون المعاملة الإنسانية.[38]  بل لقد كان ذلك ديدن الرجل الأبيض عامة، وقد جرب السودانيون هذه العنصرية في محاولات تفسير تاريخهم[39]، بل لقد ظهرت هذه النزعة العنصرية بصورة واضحة إبان معركة الاستقلال، فقد ظهر تذمر السفير الأمريكي بمصر–آنذاك- "جيمس روبرتسون" من استشارة السودانيين في قبول التاج المصري والتي يراها من عناد السكرتير الإداري لحكومة السودان، وعند لقائه في القاهرة في نوفمبر 1952 بوفد من حكومة السودان عبر عن تذمره من اهتمام حكومة السودان بمصير "عشرة ملايين من الزنوج" أكثر من اهتمامها بالخطط الغربية للدفاع عن الشرق الأوسط[40]. .
وبالإضافة إلى هذه النظرة العنصرية وإلى التحول المتأخر عن سياسة المناطق المقفولة، فقد لعبت الإدارة البريطانية أدوارا سالبة منها إحياؤها القصدي للعصبيات القبلية إما في مواجهة خصومها السياسيين مثلما حدث في سياستها تجاه القوى الحديثة في حركة 1924م، ومثلما حدث في محاربتها للمهدية الجديدة وقائدها. إذ كان التحول لدعم الإدارات الأهلية في جوهره موجها ضد هذه الحركة[41]. فقد نظرت الإدارة البريطانية لحركة 1924م كحركة للمنبتين قبليا فحاولت إحياء القبلية وحاربت كلما من شأنه أن يفتت الرابطة القبلية ومن هنا –في زعم د. يوشيكو- جاءت نظرتها للمهدية الجديدة كحركة منبتين قبليا أو على الأقل كحركة تضعف الروابط القبلية. ومن هنا جاء تخوفها من الإسلام بل ومن أنشطة الإرساليات المسيحية المتطرفة في جبال النوبة وتشجيعها للتقاليد الوثنية الخيرة حماية للمجتمع القبلي من موجات الانبتات القبلي.[42]
أما على صعيد منع التمازج فقد سنت قانون المناطق المقفولة 1922م لمنع التداخل ، وتم وضع نظم إدارة أهلية متمايزة في منطقة جبال النوبة لفصل المجموعات النوبية عن العربية بغرض تكريس التمايز بين المجموعتين[43]. وتم ذلك بصورة أوسع لقبيلة الحوازمة التي كانت تنداح في مساحات واسعة وتختلط بالنوبة بالتزاوج والمصاهرة، فقد أنفق حاكم كردفان ومعتمد مديرية الجبال على تجميع القبيلة وخلق علاقة بين زعماء فروعها وخلق اتحاد لتقوية الرابطة القبلية وإعادة توطينهم خارج مناطق استقرار النوبة[44].
لقد قام الاستعمار بإقامة منطقة خلاء عازلة على طول بحر العرب لمنع التداخل لعربان دارفور وكردفان مع أهل الجنوب وأزيحت قبيلة الباندا دنقو ذات الاختلاط بأولئك العربان إلى مناطق في أعماق الجنوب، وأزيلت مدينة كافيكانجا التجارية الإدارية من الوجود لقيامها كنقطة التقاء للجنوبيين والشماليين. وقد سويت منازلها مع الأرض لا يقطنها جنوبي[45].
وإذا ما نظرنا للأنظمة الوطنية التالية للإدارة البريطانية لوجدنا أن هناك تأخرا في اكتشاف المظالم الثقافية والتنموية التي تسببت فيها السياسات المذكورة، وفي مسألة المشاركة العادلة في السلطة والثروة. فقيام السودنة على أسس الكفاءة المحضة كان خطأ فادحا، وتبني ثقافة مركزية واحدة مهيمنة دون النظر للثقافات الأخرى، والسير في السياسة الاقتصادية على خطى الإدارة البريطانية بمعايير الجدوى الاقتصادية دون النظر للأبعاد الاجتماعية ولمصالح المناطق المهمشة، كلها أخطاء تدفع البلاد ثمنها اليوم غاليا، نقول هذا على وجه التعميم لأن هناك فترات وحكومات كانت أوعى من غيرها بهذه المآخذ، وحاولت قدر المستطاع لتصحيح ذلك وتاريخ البلاد كتاب مفتوح. ولكن الجدير بالتنويه أن هناك ملامح عامة تميز الأنظمة الاستبدادية التي مرت على البلاد عن غيرها. فليس من قبيل المصادفة أن يتبنى نظام الفريق عبود سياسة فرض هوية أحادية بالقوة العسكرية على جنوب البلاد ويفاقم الحرب الأهلية. كما أن النظام المايوي وإن كان قد استفاد من تحضيرات الفترة الديمقراطية التي سبقته وتوصل إلى اتفاق سلام[46]، إلا أنه بإجراءاته الدكتاتورية أجهضها وخلف حربا أشد شراسة من التي سبقتها. أما هذا النظام، فستتم الإشارة لما فعله في هذا الصدد.
6- التصعيد وتنامي المشكلة
ومع كل ما ذكرنا فإننا نقر بأن هناك مظالم كثيرة يمكن إيجازها في الاستعلاء العرقي والثقافي وغياب المشاركة الحقيقية في السلطة والثروة لجهات وجماعات كثيرة في السودان وغياب التنمية المتوازنة. لقد أخفقت النخب الشمالية الحاكمة بصورة عامة في إعطاء هذه المسائل ما تستحقه من نظر. وقد بين السيد الصادق المهدي ما تتحمله الأنظمة السياسية الحاكمة من إخفاقات وما تتحمله الإدارة البريطانية لا سيما بسيرها لفترة طويلة في اتجاه عزل الجنوب توطئة لفصله وإدماجه في شرق ووسط إفريقيا، ثم التحول الفجائي عن ذك والتوجه نحو مصير يرتبط بشمال السودان[47]. وغني عن القول كما سنرى لاحقا أن الأنظمة الشمولية هي التي تفاقم هذه المسألة، فعلى سبيل المثال تم التصعيد الأول في 1963م في الأوتقراطية الأولى، والتصعيد الثاني في 1983م إبان الأوتقراطية الثانية، والتصعيد الأخير والأخطر في هذا النظام.
لقد سار هذا النظام بسياساته الأحادية في المجالين السياسي والثقافي- بالأزمة إلى ذروتها وحول طبيعة الحرب الأهلية بتعصبه الديني والثقافي من حرب حول مطالب ومظالم سياسية إلى حرب معقدة دخلت فيها عوالم أخرى وتم تدويلها. كما ساهم النظام بسياساته في استقطاب ادعم لحملاته العسكرية في خلق فتنة كادت أن تودي بالتعايش السلمي بين القبائل لا سيما في مناطق التماس، وجارته الحركة الشعبية في ذلك على نحو ما ذكر د. حامد البشير عن منطقة جبال النوبة إذ قال: "بتحريض من الطرفين الرئيسيين وهما الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان وحكومة السودان وتحت رعايتها، صار النزاع القبلي البيني في جبال النوبة جزءا من الاستراتيجيات العسكرية للإثنيين، وكذلك جزءا من خطابيهما الأيديولوجيين- أي أفريقية- المسيحية- الوثنية في الجانب الأول، إزاء الشعوبية- العروبية- الإسلامية في الجانب الثاني"[48].
وقد لاحظ الدكتور حامد "حدوث نقلة كمية وكيفية في النزاع العرقي والقبلي الداخلي بجبال النوبة وكذلك بكل منطقة التماس"[49]. وقد أعادت الحكومة تقسيم الإدارات الأهلية في جبال النوبة وفي غيرها من المناطق بغرض الكسب السياسي أو إضعاف الخصوم مما انعكس سلبا على التعايش، ففي منطقة جبال النوبة حلت الهوية العرقية في التقسيم الجديد- محل الهوية الإقليمية التي كانت سائدة في الماضي والتي كانت تستوعب الهويات العرقية على تعددها"[50].
وإضافة للجهد القصدي لهذا النظام في مفاقمة هذا الوضع فقد تسببت سياساته الأخرى بصورة غير مباشرة في تنامي العصبيات الإثنية والقبلية، فبحظره للأحزاب أصبح الرجوع للقبيلة هو السبيل الوحيد المتاح للتعبير سياسيا. كما أن انهيار الخدمات وتخلي الدولة عن دورها الاجتماعي والخدمي أيضا ساهم في رجوع المواطنين للقبيلة كمؤسسة ضمان اجتماعي.
وعلى صعيد آخر فهناك استغلال من أطراف عديدة لهذه الأخطاء والمظالم لتنفيذ أجندة لا علاقة لها بجوهر القضية. وقد أشار السيد ستيفن واندو إلى دخول الصفوة العلمانية الشمالية وتخفيها تحت مظلة الهوية والتعدد الثقافي لفرض أفكارهم بعد أن عجزوا عن إقناع الجماهير بها[51]. كما أشار الدكتور عبد الله علي إبراهيم إلى مثل هذا الموقف حينما نعت اللائذين بالإفريقية هربا من واقعهم الثقافي بالهاربين، وبين أن مناهضة الاتجاهات الثقافية في الشمال عليها أن تكون بالأصالة عن أصحابها لا بالوكالة عن ثقافة أخرى، ذلك أن تصور جماعة "الهاربين" للثقافة الإفريقية غير مقبول لأهل تلك الثقافة التي يدافعون عنا بالوكالة[52].

7-  الديمقراطية والإثنية

النظام السياسي:
هناك ارتباط عظيم كما رأينا بين النظام   السياسي ووسائل تنظيم التباين والتنوع الثقافي والإثني. ففي ظل ظروف معينة يمكن لهذا التنوع أن يعبر عن نفسه بصورة إيجابية ويكون مصدرا من مصادر القوة كما في نبوءة ليوبلد سيدار سنغور أن المستقبل للجنس الهجين[53]، وبنفس القدر يمكن في ظروف أخرى أن يكون كعب أخيل الذي يورد البلاد موارد التهلكة. لذلك سأتحدث بإيجاز عن الشكل الإداري الملائم لنظام الحكم في السودان، وعن المحتوى الديمقراطي لذلك النظام.
أ- اللامركزية: هناك شبه إجماع على أن السودان بتنوعه الذي اشرنا إليه وبمساحته الشاسعة وبمشاكله التي نعلم: لا سيما الشكوى المرة من غياب المشاركة الفاعلة في  السلطة والموارد وإهمال المناطق المهمشة يحتاج في نظام حكمه الإداري لدرجة ما من اللامركزية. أجمعت على ذلك كل أحزاب السودان تقريبا، وتبنته حركة المعارضة في ميثاق أسمرا 1995م، كما تبنته حكومة "الإنقاذ" في دستورها لعام 1998م. وتبنته الجماعات الأكاديمية والإدارية. والشكل اللامركزي هو الذي يمكن أن يخاطب القضايا الراهنة إذ لا مجال لدولة مركزية واحدة. فقضايا التنوع القانوني والثقافي والسياسات الثقافية المحددة في التعليم والإعلام..الخ تستوجب أن يكون النظام الإداري لا مركزيا من حيث الشكل الإداري.
ب- الديمقراطية: أما من حيث المحتوى فلا أحد الآن في السودان يجادل في أن الديمقراطية هي السبيل الأوحد لاستقرار البلاد. فمن الناحية النظرية والعملية ليست هناك شرعية متفق عليها لثورة أو أسرة أو حركة تحرير كما هو الشأن في بعض البلاد المجاورة. فقد تكتسب بعض الأنظمة شرعية من إنجاز تاريخي كأن تحرر البلاد أو تخلصها من نفوذ أجنبي أو تخلع نظاما فاسدا مفرطا في سيادة البلاد أو مصالحها. كما أن ظروف السودان الداخلية تستدعي لحل مشاكله تحقيق المشاركة العادلة والاعتراف الثقافي بالآخرين. وإذا قرنا هذين المطلبين بضرورة اللامركزية الإدارية نجدها تتناقض مع طبيعة الأنظمة الشمولية لأنها جميعها تقتضي تفويض السلطات والتنازل عن بعض الحقوق والاعتراف بالآخر. ويمكن أن نضيف سببا رابعا جوهريا لتلازم الديمقراطية مع حل مشكلات البلاد وهو أن إيقاف الحرب الأهلية لا يتم إلا عبر اتفاق سلام تلتزم الدولة باحترامه ولا يتم ذلك إلا عبر دستور ديمقراطي متفق عليه يحميه نظام ديمقراطي. فقد أجهض نظام الفرد اتفاقية 1972م، كما لم تحقق اتفاقيات السلام من الداخل السلام  لأن النظام الشمولي الحالي لم يلتزم بها.
وغني عن القول ذكر العوامل الدولية التي تصب في صالح الخيار الديمقراطي لا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر  في الولايات المتحدة الأمريكية التي ترى في القهر والفقر مفرختين تفرخان الإرهاب، وكذلك اتفاقية كوتونو التي خلفت اتفاقية لومي والتي ربطت المعونات للدول النامية بحضور طرف ثالث مع الحكومات والاتحاد الأوربي هو منظمات المجتمع المدني.
الإصلاح الديمقراطي والمحتوى الديمقراطي: هناك إصلاحات ديمقراطية لا بد منها تصب في اتجاه أقلمة الديمقراطية لظروف السودان لا نود الخوض فيها ولكن يعنينا منها أمور أهمها: تحقيق التوازن بحيث لا تسلب الأغلبية حقوق الجماعات المتميزة في التعبير عن هويتها وثقافتها ولا المشاركة الشاملة على المستويين المركزي والمحلي.
هيكلة مؤسسات الدولة: واحد من أهم الإصلاحات المطلوبة هو إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بحيث تعكس التنوع الموجود في السودان. وإذا أخذنا مثلا لذلك بالقوات المسلحة فسيتضح لنا ضخامة ما ينبغي عمله.
القوات المسلحة: ترجع جذور القوات المسلحة –ولو جزيئا- إلى فترة الحكم التركي. وقد سبق أن أشرنا إلى تجنيد محمد علي باشا لـ30 ألف جندي أسود خدموا في جيشه في عام 1823م، ثم ازدادت أعداد المجندين وعند قيام المهدية ذهبت أعداد كبيرة إلى مصر وعادت مع الجيش البريطاني المصري الغازي وكانت تلك الوحدات تابعة للجيش المصري، وكان يتم ابتعاثها للتدريب في مصر حتى توقف ذلك بعد تمرد حدث في عام 1900م حرض عليه المصريون[54]. وكان المصريون يدفعون نفقات تلك الوحدات السودانية. بعد تلك الحادثة تم إنشاء المدرسة الحربية لإبعاد التاثير المصري على الجنود السودانيين. لم يكن الاختيار للمدرسة الحربية معتمدا على المعايير الدراسية فقد منحت الأفضلية في القبول لمن تسميهم الإدارة: السودانيين السود، واستبعد الآخرون. ومصطلح السود يعني رسميا لدى الإدارة الزنوج الذين لغتهم الأم غير العربية[55].
هذه هي خلفية تكوين قوة دفاع السودان التي كونها البريطانيون. لم تكن الإدارة معنية بقومية هذه المؤسسة، فقد كانت أغلبية الجنود من غرب البلاد ومن غير قبائل الأنصار. بينما تم استيعاب الضباط من قبائل الشمال لا سيما القبائل الموالية للختمية[56].  ومهما يكن من أمر فإن هذه الخلفية تنتقص شيئا ما من قومية القوات المسلحة. ولكن تطورات لاحقة زادت من الشكوك  في إمكانية إطلاق صفة القومية علىالقوات المسلحة وهي الحرب الأهلية الطويلة وما صحبها من استقطاب حاد ثم التسييس للقوات المسلحة من قبل نظام الإنقاذ. لذلك لا بد عند حديثنا عن الإصلاحات المطلوبة في مؤسسات الدولة عموما وفي القوات المسلحة على سبيل المثال أن ندعو لأن يكون تكوين القوات المسلحة عاكسا صادقا للتعدد الإثني في السودان، وإلا أصبحت إدارة تثاقف إجباري كما حدث في عهد عبود، وكما حدث في الإنقاذ0
ديمقراطية الثقافة:  من أكبر أسباب التحيز العنصري والثقافي الجهل بالآخر. وقد أشار د. فرانسيس دينق إلى هذه النقطة بمرارة. فقد روى كيف أن أحد كبار القضاة الشماليين اندهش لما أخبره –د. فرانسيس- بكتابات علماء الأنثروبولوجيا التي تتحدث عن أن الدينكا والنوير من أكثر السودانيين تدينا. وأشار د. فرانسيس دينق إلى أن سياسات التعريب والأسلمة تقوم على افتراض شمالي بوجود فراغ روحي وثقافي في الجنوب[57]. والدكتور دينق محق في ذلك إذ يبقى الجهل بالآخر أكبر مغزى للإستعلاء ومحاولات الاستيعاب الثقافي القسرية. ويمكن ملاحظة قلة الكتب المعرفة بالجماعات السودانية وعاداتها وأديانها في المكتبات السودانية [58] حتى في مراكز البحث ومعاهده الشهيرة بالسودان، لا سيما تلك المكتوبة بالعربية، كما أن ما كتبه الأنثروبولوجيين الأجانب لم يترجم إلى العربية، بل بعضها مفقود في المراكز البحثية المختصة، لذلك يتفشى الجهل بالآخر وثقافته. وإلى مثل ذلك أشارت ورقة بعنوان: هل المجموعات النيلية السودانية وثنية؟ لاحظت كاتبتها فيها –مثلما لاحظ د. دينق- ترخص الشماليين في إطلاق صفة الوثنية على تلك الديانات حتى بين أوساط المتعاطفين[59].
وتبقى إزالة هذا الجهل مهمة مقدسة وضرورة قصوى. ووسائل التعريف بالثقافات والإثنيات المختلفة كثيرة وبصفة عامة لا بد من تبني سياسات إعلامية وتعليمية تعكس تلك الثقافات كما لا بد من إزالة الحواجز المؤدية للجهل ومنها حاجز اللغة كما أشار د. دينق[60].
اللغة: أشرنا فيما سبق للتعدد اللغوي الواسع في السودان. ونشير هنا إلى أن مسألة اللغة من أكثر المكونات الثقافية أهمية. ويمكن تناول هذه المسألة من جوانب عدة إعلامية وتعليمية وغيرها، ففي المجال الإعلامي لا بد من إتاحة الفرصة في الإذاعات المحلية والقومية لأهل تلك اللغات ، وفي مجال التعليم أصبحت اليونسكو توصي بأن يبدأ كل تلميذ تعليمه الرسمي بلغته الصلية، وان يواظب على تلقي ذلك التعليم بتلك اللغة ما سمحت بذلك اللغة نفسها وكتب ومواد التدريس[61].
إن هذا لا يعني ألا تتبنى الدولة لغة رسمية فلا أحسب أن هذا مجال خلاف بين السودانيين وإن كان قد تبنى هذا الرأي صاحب كتاب الماركسية واللغة مستشهدا بمقولة لينين الداعية إلى ترك تحديد لغة رسمية "لأن متطلبات التبادل التجاري ستجبر دائما القوميات القاطنة بدولة واحدة –بالقدر الذي ترغب بالعيش سويا- لدراسة لغة الأغلبية"[62].
وفي رأيي أن هناك مأخذين على مثل هذا الرأي أولهما عملي واقعي إذ لا بد من لغة رسمية لمكاتبات الدولة أيا كانت تلك اللغة وأيا كان عددها لغة أو لغتان رسميتان. والثاني أن ترك تحديد اللغة لعوامل التبادل التجاري إنما هو إدخال لمسألة اللغة في مأزق السوق الحر والذي سيفرض منطقه غلبة اللغة التي أتاح لها الظرف السياسي الاقتصادي المعين هيمنة على ما عداها. فالمطلوب هنا في تقديري تمييز قصدي بالاهتمام باللغات المحلية وليس تركها لمنافسة لا تقوى عليها وإن لم يسم لينين تلك اللغة السائدة لغة رسمية.
 إن الاهتمام بلغات المجموعات الوطنية المتعددة أمر مطلوب في نفسه وهو أمر شاق ومكلف ماديا ويحتاج لصبر وربما تدرج ولكنه في النهاية أمر مهم في حد ذاته ولا بد من إنجازه. لقد بدأ مؤتمر الرجاف (1928م) بداية خاطئة لأنه تبنى تلك السياسة لا عن قناعة بأهمية تنمية اللغات وإنما تبناها في إطار سياسة العزل، ولاحتواء تأثير اللغة العربية في الجنوب، والدليل على ذلك أنه لم يتحدث عن لغات أخرى كثيرة في غرب وشمال وشرق السودان.
الدين: حق التدين مكفول لكل إنسان وكذلك حرية الاختيار. وبغض النظر عن دين أي فرد أو جماعة هناك أسس عامة يجب مراعاتها وهي: أن تكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات الدستورية. وأن يشجع التعايش والتسامح بين أهل الأديان السماوية والمحلية، وأن ينظم التبشير بين الأديان ما دام يقوم على الحسنى وحرية الاختيار، وأن يتم استيعاب القيم الإنسانية في هذه الثقافات والأديان بحيث لا يحدث تضارب أو تعد عليها.
8- نحو ميثاق ثقافي:
بعد أن استعرضنا بايجاز القضايا التي يثيرها التنوع الاثني والثقافي في السودان والعوامل التي قد تجعل منه مهددا لاستقرار البلاد .وبعد أن ناقشنا المعالجات التي نراها من حيث النظام السياسي والاداري والسياسات الثقافية التي تكفل اعادة التوازن والاستقرار للبلاد فاننا نقترح الميثاق التالي :
الميثاق الثقافي:







[1] فرانسيس فوكوياما نهاية التاريخ وخاتم البشر ترجمة حسين أحمد أمين.
[2]   الباشا ، سابق - ص 19
[3]  نفسه ص 10-  14.
[4] نفسه. وبالنسبة للحقائق حول باكستان وأفغانستان فهي مأخوذة عن : عبد الرحمن الغالي (دكتور): التجربة الإسلامية في أفغانستان، والتجربة الباكستانية- ورقتان أعدتا في إطار مشروع بحثي شامل حول التجارب الإسلامية المعاصرة- غير منشورتان.
[5] محمد الجوهري (دكتور) علم الفلكلور: دراسة في الأنثروبولوجيا الثقافية الجزء الأول ص 46، وهو يترجم مصطلح Ethnocentrism بـ "التمركز حول الذات".
[6] أنظر موقع الموسوعة على الإنترنت www.Britannica.com
[7] محجوب الباشا (دكتور) التنوع العرقي والسياسة الخارجية في السودان. مركز الدراسات الاستراتيجية، 1998م
[8] World Conference Against Racism Multi-ethnic States and the Protection of Minority Rights, دربان، جنوب أفريقيا في الفترة 31 أغسطس وحتى 7 سبتمبر 2001م.  ص 1-2
[9] نفسه ص 3
[10]  محمد عمر بشير (دكتور) : حول الدولة السودانية الاتحادية الديمقراطية في الحكم اللامركزي في السودان حاضره ومستقبله تحرير وتقديم العجب أحمد الطريفي (دكتور)، ص 89.
[11]  عبد الله علي إبراهيم (دكتور) الماركسية ومسألة اللغة في السودان- دار عزة للنشر 2001م – الخرطوم ص 26
[12] موقع على الإنترنت www.africana.com  حسب الموقع فإن العائلة الآفروأسيوية في السودان تمثلها العربية، والعائلة النايلوصحراوية تمثلها مجموعات عديدة منها اللغات النيلية، والنوبية الشمالية، والعائلة النيجر كونغولية تشمل فرع المجموعة الكردفانية وتمثلها لغات بجبال النوبة. ويذكر الموقع أنه توجد علاوة على العائلات الأربع الرئيسية في إفريقيا حالات لوجود عائلة اللغات الهندوأوروبية والأسترونيسية.
[13]  إبراهيم، مرجع سابق ص 6
[14] الأمين أبو منقة (دكتور) عوامل التواصل بين سودان وادي النيل وبلاد غرب إفريقيا ص 7
[15]Library of Congress, USA
[16] Encyclopedia Britannica, www.britannica.com
[18] www.Altapeida.com >Sudan> Population.
[19] اللغات النيلية تنتمي للفرع الشارينيلي في العائلة النايلوصحراوية وتتحدثها مجموعات: الدينكا- النوير- الشلك- الأشولي- اللوو والماساي- أنظر موقع www.africana.com على الانترنت.
[20] عبد الله علي إبراهيم- سابق ص 26
[21] ورقة دكتور عبد الله علي إبراهيم مدارج الإلفة سمنار الرأي العام.
[22] جوفياني فانتيني المسيحية في السودان مركز محمد عمر بشير.
[23] نفسه، ص 26
[24] عبد الهادي الصديق السودان والإفريقانية ص 62
[25]  أوفاهي، ر. س. الدولة والمجتمع في دارفور ترجمة عبد الحفيظ سليمان عمر – مركز الدراسات السودانية – الطبعة الأولى- القاهرة 2000
[26] الصديق، عبد الهادي، مرجع سابق ص 65
[27] خالد المبارك ، مقال منشور بالرأي العام- أبريل 2002م.
[28] Ayoub Balamoan Peoples and Economics in the Sudan 1884-1956, Harvard University Center for Population Studies. 2nd ed. 1981.
[29] Francis M. Deng Race & Culture: Prejudice & Denial in Sudan Society, Sudan Library Series, p 6
[30] حامد البشير (دكتور) محاولة لفهم العلاقات القبلية وديناميات الحرب والسلام في جبال النوبة ترجمة عائشة سليمان ص 43-64-163
[31] Hassan Abdin Early Sudanese Nationalism  1919-1925
[32] نفسه ص
[33] يوشيكو كوريتا  علي عبد اللطيف وثورة 1924 ترجمة مجدي النعيم- مركز الدراسات السودانية- ص 50
[34] نفسه ص 25
[35]  نفسه ص 27
[36] إخلاص مهدي (إعداد وتقديم) رسائل تاريخية بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق ص 40-41
[37]  إخلاص مهدي (إعداد وتقديم) رسائل تاريخية بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق  بدون تاريخ ص 40. للرجوع لرأي نقد في المسألة انظر محمد إبراهيم نقد علاقات الرق في المجتمع السوداني ص 91
[38] Al Mahdi, op.cit p 13- footnote
[39] عبد الهادي الصديق، مرجع سابق، حيث يورد محاولات المؤرخين الغربيين نفي الحضارة الفرعونية عن أي جذور إفريقية وربطها بالبحر الأبيض  المتوسط، وذلك من منطلقات عنصرية القول أن الجنس الأسود لم يسهم في الحضارة الإنسانية.
[40] فيصل عبد الرحمن علي طه (دكتور) الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان 1936-1953م دار الأمين- القاهرة- 1998م  ص 523
[41] البشير، حامد، مرجع سابق ص 28-29
[42] كوريتا، مرجع سابق ص 53
[43]  البشير، مرجع سابق، ص 28-29
[44] نفسه ص 35-36
[45] عبد الله علي إبراهيم، الماركسية مرجع سابق ص 55-56
[46] محمد عمر بشير جنوب السودان من الصدام للسلام ص 128
[47] Al Sadig Al Mahdi Second Birth in Sudan Cairo, 1999والكتاب ترجمه عبد الرحمن الغالي بعنوان السودان وحقوق الإنسان- دار الأمين- القاهرة- 1999م
[48] البشير، حامد مرجع سابق ص 161
[49] نفسه، ص 163
[50] نفسه ص 165
[51] Al Mahdi, op.cit
[52] عبد الله علي إبراهيم الآفروعروبية أم تحالف الهاربين في  الثقافة والديمقراطية في السودان دار الأمين- القاهرة
[53]  نور الدين ساتي (دكتور) الحوار بين المكونات الثقافية للأمة السودانية في مجلة الثقافة السودانية السنة الرابعة العدد الخامس عشر- اغسطس 1980م ص 11 حيث يرد على أطروحة الدكتور علي مزروعي حول "الهامشية المتعددة للسودان" ويرى أنها أصالات متعددة يكون في هجينها قوة.
[54] Abdin, opcit, ص 80
[55] نفسه ص 80- 81
[56] Al Mahdi, opcit, p 159
[57] Deng, op.cit ص 8
[58] رباح الصادق هل المجموعات النيلية السودانية وثنية؟  ورقة غير منشورة- 2001م
[59] نفسه
[60] Deng, op.cit
[61] إبراهيم الماركسية واللغة سابق ص 66
[62] نفسه ص 54

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق