بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة في وداع العميد
سلام الإله ورضوانه على قبر عبد الله الألمعي الحزين. تقضت سنواته مسرعة كقطاره الذي نظر من نافذته، وهل كان القطار إلا رحلة حياته؟ وهل كانت نافذته إلا عينه التي رأى بها الدنيا؟.
بدأ كتابه بالموت وختمه بقصيدة حزينة تعزى بها من صروف الدنيا التي رمته بأرزاء المنايا التي تخرمت أهله الأقربين. فبكى من غير دمع، ولو كان فعل لما لامه لائم فقد رووا أن القاضي أبا بكر بن عياش لما اهتم واغتم ذهب إلى البرية وأنشد قول غيلان:
خليلي عوجا من ظهور الرواحل
بجمهور حزوى فابكيا في المنازل
لعل انهمال الدمع يعقب راحة
من الوجد أو يشفي شجي البلابل
فبكى بكاءَ حاراَ ومنذ ذلك اليوم عرف للشعر منزلته. وأبو بكر بن عياش هو أحد راويين عن عاصم في قراءته كما ذكر السيوطي في الإتقان وعنه أخذ الكسائي، وقد ذكره ابن سعد في طبقاته. بل لقد روى هذا الخبر عبد الله نفسه في أحد كتبه لا أذكر إن كان ذلك في كتابه بين النير والنور أم حقيبة الذكريات أم لعله في القصيدة المادحة. ويبدو من سياق الرواية أنه يغبط ابن عياش وقد "يبقر" المرء من أشياء ليست مظنة للغبطة كالبكاء! رووا عن الإمام المهدي عليه السلام أنه كان يقول ( الفقرا القاعدين في الوطا بقران منهم بقراَ شديد) فكمال التوحيد يستوجب كمال العبودية والتعليم والمذاكرة مما يستوجب القدوة، والمهدي بحر لا ساحل له، وتوحيده نادر المثال،علق في مدارسته للأنصار -على قول يعقوب(إني أخاف أن يأكله الذئب) وقول يوسف (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك) وقول يوسف لملك مصر( اجعلني على خزائن الأرض) تعليقات تنم عن درجة من التوحيد لا تضارع وكذلك انظر إلى مقارنته لقول النبي محمد (ص) في سورة التوبة ( إن الله معنا) بقول موسى عليه السلام في سورة الشعراء (إن معي ربي) وهذا باب يطول فمن أراده فليرجع إلى الجزء السابع من الأعمال الكاملة للإمام المهدي.
رجع الحديث، كان عبد الله -رحمه الله- عبقريا، والعبقرية إذا خالطها الجد تجلب الحسد، وكان بعبد الله شي من الصراحة في كتاباته، اقترنت بها بصيرة نافذة-مثل أهله- تنفذ للجوهر ولا يصرفها زخرف المدنية ونفاقها وتقيتها. وكان ناقداَ أصيلاَ يعمل عقله فيما يقرأ، يعشق التراث ولا يقدسه، يراجع أساطينه ويحاجج بثقة راسخة. وكان موسوعيا نهما ذا ذاكرة حافظة ومع ذلك أوتي ملكة التحليل والمقارنة والاستنتاج فكان ناقدا مخيفا. وما زلت أذكر كلمته في تأبين العقاد-وقد ضاع مني موضعها-أورد فيها أخذه من شكسبير،
أحبك حب الشمس فهي منيرة
وأنت مضيء بالجمال منير
والشاهد أن حب الشمس لا يكون إلا في البلاد الباردة. قال شكسبير:
Shall I compare you to a summer’s day?
وقال أيضا
Shall I, waisting in despair
Die because a woman is fair
قال العقاد أخذاَ منه:
أيذوي الصبا منا لأن منعما
من الناس بسام الثغير غرير
رد عبد الله-رحمه الله-في نافذة القطار ذلك إلى محاولة العقاد مجاراة شوقي في التجديد إذ أخذ شوقي عن الفرنسيين فاستبدلهم العقاد بالإنجليز، وبين في مكان آخر-لعله من سلال اللامعقول- سرقة العقاد الواضحة من وليم هاردي.
كان شديد الاعتداد والاعتزاز بالثقافة العربية الإسلامية ولعله من قلائل السودانيين الذين لم يربكهم اصطدامهم بالحضارة الغربية، حتى ابن عمه المجذوب زلزلت الحضارة الغربية كيانه:
( لم تشف لوعتي أثينة الجدال والحكمة والسؤال
فقيرة مترفة الجمال
أخون ألواح الولي والبشارة القديمة
أضيع الوصية العذراء والتميمة)
تتبع مقالات المستشرقين ورد على مطاعنهم على الإسلام. وتتبع سرقات أدبائهم مع تعميتهم المتعمدة. لم يعب عليهم التأثر فالحضارة الإنسانية ملك مشاع والتأثر بالتجربة الإنسانية مشروع ومفهوم ولكن السرقة مع قصد الإخفاء.
كتب في مجلة الدوحة مقاله الرائع الفتنة باليوت خطر على الأدب العربي(وقدمه رجاء النقاش على أنه شرارة من شعلة طه حسين ومن قبل زعم د. زكي مبارك أن سينية شوقي أجود من سينية البحتري) أبان عبد الله – رحمه الله - في ذلك المقال سرقة اليوت من المعلقات مع قصد تعمية الأثر، وكتب في جزء المرشد الرابع في قسمه الأول عن تأثر الرومانسيين الإنجليز بالشعر الشرقي من لدن وردزورث وكلردج إلى بيرون وشيلي وكيتس.
وفضح أخذ اندرو مارفيل في قصيدته The Garden (الحديقة) من قصيد المتنبئ شعب بوان (مغاني الشعب) في جزء آخر من المرشد وعقد مقارنة لقصيدة وليم بليك وصف فيها النمر بين فيها أخذ بليك من وصف المتنبئ للأسد:
أمعفر الليث الهزبر بسوطه…الأبيات.
كان عبد الله-رحمه الله- ناقدا أصيلاَ كما أسلفنا، تصدى للمقولة الشائعة عن غياب الوحدة العضوية في القصيدة العربية في مواطن كثيرة. قرأت كتاب أدونيس:الثابت والمتحول: بحث في الاتباع والإبداع عند العرب فغاظني أيما إغاظة إذ روح التحامل على الإسلام فيه واضحة، ولقد شفا غيظي عبد الله في رده المفحم عليه في المرشد.
يرى البروفيسور-رحمه الله-أن القصيدة العربية تنتظمها روح واحدة من مطلعها إلى منتهاها وله بحث ممتع قيم بعنوان (مطالع النسيب في الشعر العربي) إن لم تخني الذاكرة. وقد أفاض في شرح وحدة القصيدة العربية في المرشد في أحد أجزائه.
وعلى ذكر وحدة القصيدة، فقد كان يميل إلى رأي حمزة القارئ الذي كان يعد القرآن كله بمنزلة السورة الواحدة، واستشهد بالروابط القوية بين خواتيم السور وفواتح السور التي تليها في ملاحظة ذكية فليرجع إليها من أراد في جزء المرشد الثالث في صفحاته الأول. وإذا شاء فليقرأ هذا الجزء كله فقد عقد عبد الله-رحمه الله- فيه باباَ ممتعا في الرمزية والرموز: بدأها برموز الأنثى والبرق والحمام وفيه سياحة ممتعة في الأدب والتاريخ العربي والميثولوجيا وفيه آراء جديدة طريفة تبناها. ففي حديثه عن المرأة يرى أن المرأة كانت اله العرب المقدم في باب العبادة الوثنية، ألهوها من أجل الخصوبة، وهو يرى أن عادة وأد البنات إنما كانت من بقايا تلك العبادة وليس نفاة للعار كما هو مشاع إضافة للعامل الاقتصادي. ويستدل للسبب الوثني بقوله تعالى( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم) وللعامل الاقتصادي بقوله(ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق).
ولن نمل من الاستشهاد بالمرشد إذ هو بلا أدنى شك عندي أفضل كتاب في النقد الأدبي في عصرنا الحديث، ولم يزد د. طه حسين على أن نبه إليه. بل لا شك عندي أن عبد الله أكبر ناقد عربي في عصرنا الحديث ولا تغرنك الأسماء.
كان عبد الله –رحمه الله-مع محبته للعروبة والإسلام محبا للسودان حبا صوفيا، وكان يرى فيه بركة وخصوصية، وأوشكت أن تجلب له محبته تلك تهم الوسوسة. كان يرى أن هجرة الصحابة الأولى إنما كانت للسودان وله شواهد ذكية مقنعة في ذلك.
وغلّط المعري إذ جعل عنترة من أهل النار في كتابه الساخر الناقد (رسالة الغفران) ورد بأن تمني رسول الله (ص) رؤية عنترة يشي بفضله واستحقاقه الجنة.
وكان كثير الفخر بأبي عثمان "الجاحظ" إذ كان يراه نوبياَ وكذلك كان يشير إلى بلال عليه الرضوان.
وتعاطف مع كافور وربما تعجب من هرب المتنبئ على ظهر ابل بجاوية، قال المتنبئ يحمد لتلك الإبل ويشكر لها أن مكنته من الفرار:
ألا كل ماشية الخيزلى
فدى كل ماشية الهيذبى
وكل نجاة بجاوية خنوف
وما بي حسن المشى
ولكنهن حبال النجاة
وكيد العداة وميط الأذى
ضربت بها التيه ضرب القما
ر إما لهذا وإما لذا
أكثر من استشهاده بالشعر الشعبي السوداني في نافذة القطار وفي سلال اللامعقول وكان يستهويه (الجابودي) وكتب الأحاجي السودانية للأطفال بعد أن نقحها لتلائم "ذوق العصر" وكتب سمير التلميذ وأمثاله بروح فكهة مرحة. وأخبرني-رحمه الله-بأنه كتب رواية اسمها نوار القطن في زمن الاستعمار منعت.
كتب بين النير والنور وظاهره عن نيجيريا ولغة تداعي المعاني فيه ساحرة آخذة وباطنه معرفة مدهشة لاسيما بالأدب الروائي الغربي. سمعت لأول مرة عبر ذلك الكتاب بالكاتب التونسي محمود المسعدي إذ علق عبد الله على روايته( السد ) وقرأت بعد حين رواية المسعدي (حدث أبو هريرة قال) فوجدتها أقوى نص روائي عربي غير منازع، لا تقل لي (نوبل) وصاحبها ولا (ياطر) حنا مينا ولا حتى موسم الهجرة على إحسان الطيب صالح فيها.
فسر عبد الله-رحمه الله- القرآن بأسلوب سهل جامع أخذ بأحاسن التفاسير وترك مواضع الهنات فيها. وقرب ذلك إلى السامع. والتفاسير أنواع كما تعلمون وقد كتب محمد الغزالي أو على الأصح أملى كتاباَ في أيامه الأخيرة عنوانه(كيف نتعامل مع القرآن) أوضح فيه بأنه قلما تخلو مدرسة من مدارس التفسير من مآخذ. وعلى مدرسة التفسير بالمأثور أخذ الغزالي رحمه الله امتلاءها بأحاديث ضعيفة مثلما هو الحال في تفسير ابن كثير. والطبري كما يرى الغزالي تفسيره أرقى وأدق من ابن كثير، ومن ابن كثير أخذ سيد قطب. والغزالي بعد أن ترك الاخوان اتسع أفقه وصدره. جاء الخرطوم في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، حضرت محاضرته الرسمية بقاعة الصداقة وحضرت مدارسة له بعد صلاة الظهر بمسجد الجامعة فوجدته صحوياَ. وكتب كتابه القيم السنة النبوية بين أهل الرأي وأهل الحديث. ولو تحدث أحدنا عن هنات في تفسير ابن كثير أو ابن حجر لاتهم بالزندقة من أولي اللحى التي ليتها كانت حشيشاَ.
كان أتباع محمود محمد طه يستدلون بتفسير ابن كثير لـ(إذا النجوم انكدرت)على بطلان التراث وضرورة اطراحه جملة واحدة. وكان الصادق عاصماَ لنا، إذ سلك بنا سبيلاَ يبسا لا نخاف دركا ولا نخشى غرقا.
رجع الحديث: كان عبد الله-رحمه الله- حجة في القراءات مثلما هو حجة فيما عداها، وكنت أعشق حديثه وتفسيره،( وأرنا مناسكنا بفتح الراء وفي قراءة أخرى وأرنا بكسر الراء) وكانت راؤه فيها ما يشبه اللثغة وكنت أحبها. وكان حديثه الدارج حلوا كأنما هي دارجة غير التي نتكلمها.
كان الدكتور أحمد الطيب-رحمه الله- يسميه شاعر العرب. أخذني ديوانه أغاني الأصيل فحرفت بيتا منه ليصير:
ألا ليت شعري أي عفريت جنة
أتاحك هذا (الشعر) يا بن المساجد
كان عبد الله-رحمه الله- سهلا، قابلته قبل عشرين عاما (تقريباَ) في منزله في أوائل سنواتي بالجامعة، ناقشته في بعض قضايا الأدب وسألته عن إهدائه في نافذة القطار. يقول الإهداء:
إلى لميس التي بين الدوحتين تميس
وما هي إلا غادة قد ألفتها
لدى النيل بين الدوحتين تميد
هنالك أوطاني وبدلت غيرها
ألا إن أوطان الرجال قيود
ألا إن دار الفكر وهي سعيدة
لداري وإني عندها لسعيد
فيا ليت شعري هل لميس كعهدها
ولم تتبدل من لميس عهود
سألته إذ حسبت أن الأبيات إنما هي إهداء واعتذار إذ كانت الأبيات-على الأقل حينها- تشي بأنه يتحدث عن لميس سودانية أو عن السودان وقيوده في مقابل دار الفكر-أوربا- ومن تمثلها! أجابني ضاحكاَ: عبد الله رجب فسر دار الفكر بجامعة الخرطوم وأنا صغت ذلك شعراَ ولن أفسره لك!.
رحم الله عبد الله الطيب المجذوب.
د.عبد الرحمن الغالي الجعلي
نشر بصحيفة الأيام يونيو 2003
كلمة في وداع العميد
سلام الإله ورضوانه على قبر عبد الله الألمعي الحزين. تقضت سنواته مسرعة كقطاره الذي نظر من نافذته، وهل كان القطار إلا رحلة حياته؟ وهل كانت نافذته إلا عينه التي رأى بها الدنيا؟.
بدأ كتابه بالموت وختمه بقصيدة حزينة تعزى بها من صروف الدنيا التي رمته بأرزاء المنايا التي تخرمت أهله الأقربين. فبكى من غير دمع، ولو كان فعل لما لامه لائم فقد رووا أن القاضي أبا بكر بن عياش لما اهتم واغتم ذهب إلى البرية وأنشد قول غيلان:
خليلي عوجا من ظهور الرواحل
بجمهور حزوى فابكيا في المنازل
لعل انهمال الدمع يعقب راحة
من الوجد أو يشفي شجي البلابل
فبكى بكاءَ حاراَ ومنذ ذلك اليوم عرف للشعر منزلته. وأبو بكر بن عياش هو أحد راويين عن عاصم في قراءته كما ذكر السيوطي في الإتقان وعنه أخذ الكسائي، وقد ذكره ابن سعد في طبقاته. بل لقد روى هذا الخبر عبد الله نفسه في أحد كتبه لا أذكر إن كان ذلك في كتابه بين النير والنور أم حقيبة الذكريات أم لعله في القصيدة المادحة. ويبدو من سياق الرواية أنه يغبط ابن عياش وقد "يبقر" المرء من أشياء ليست مظنة للغبطة كالبكاء! رووا عن الإمام المهدي عليه السلام أنه كان يقول ( الفقرا القاعدين في الوطا بقران منهم بقراَ شديد) فكمال التوحيد يستوجب كمال العبودية والتعليم والمذاكرة مما يستوجب القدوة، والمهدي بحر لا ساحل له، وتوحيده نادر المثال،علق في مدارسته للأنصار -على قول يعقوب(إني أخاف أن يأكله الذئب) وقول يوسف (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك) وقول يوسف لملك مصر( اجعلني على خزائن الأرض) تعليقات تنم عن درجة من التوحيد لا تضارع وكذلك انظر إلى مقارنته لقول النبي محمد (ص) في سورة التوبة ( إن الله معنا) بقول موسى عليه السلام في سورة الشعراء (إن معي ربي) وهذا باب يطول فمن أراده فليرجع إلى الجزء السابع من الأعمال الكاملة للإمام المهدي.
رجع الحديث، كان عبد الله -رحمه الله- عبقريا، والعبقرية إذا خالطها الجد تجلب الحسد، وكان بعبد الله شي من الصراحة في كتاباته، اقترنت بها بصيرة نافذة-مثل أهله- تنفذ للجوهر ولا يصرفها زخرف المدنية ونفاقها وتقيتها. وكان ناقداَ أصيلاَ يعمل عقله فيما يقرأ، يعشق التراث ولا يقدسه، يراجع أساطينه ويحاجج بثقة راسخة. وكان موسوعيا نهما ذا ذاكرة حافظة ومع ذلك أوتي ملكة التحليل والمقارنة والاستنتاج فكان ناقدا مخيفا. وما زلت أذكر كلمته في تأبين العقاد-وقد ضاع مني موضعها-أورد فيها أخذه من شكسبير،
أحبك حب الشمس فهي منيرة
وأنت مضيء بالجمال منير
والشاهد أن حب الشمس لا يكون إلا في البلاد الباردة. قال شكسبير:
Shall I compare you to a summer’s day?
وقال أيضا
Shall I, waisting in despair
Die because a woman is fair
قال العقاد أخذاَ منه:
أيذوي الصبا منا لأن منعما
من الناس بسام الثغير غرير
رد عبد الله-رحمه الله-في نافذة القطار ذلك إلى محاولة العقاد مجاراة شوقي في التجديد إذ أخذ شوقي عن الفرنسيين فاستبدلهم العقاد بالإنجليز، وبين في مكان آخر-لعله من سلال اللامعقول- سرقة العقاد الواضحة من وليم هاردي.
كان شديد الاعتداد والاعتزاز بالثقافة العربية الإسلامية ولعله من قلائل السودانيين الذين لم يربكهم اصطدامهم بالحضارة الغربية، حتى ابن عمه المجذوب زلزلت الحضارة الغربية كيانه:
( لم تشف لوعتي أثينة الجدال والحكمة والسؤال
فقيرة مترفة الجمال
أخون ألواح الولي والبشارة القديمة
أضيع الوصية العذراء والتميمة)
تتبع مقالات المستشرقين ورد على مطاعنهم على الإسلام. وتتبع سرقات أدبائهم مع تعميتهم المتعمدة. لم يعب عليهم التأثر فالحضارة الإنسانية ملك مشاع والتأثر بالتجربة الإنسانية مشروع ومفهوم ولكن السرقة مع قصد الإخفاء.
كتب في مجلة الدوحة مقاله الرائع الفتنة باليوت خطر على الأدب العربي(وقدمه رجاء النقاش على أنه شرارة من شعلة طه حسين ومن قبل زعم د. زكي مبارك أن سينية شوقي أجود من سينية البحتري) أبان عبد الله – رحمه الله - في ذلك المقال سرقة اليوت من المعلقات مع قصد تعمية الأثر، وكتب في جزء المرشد الرابع في قسمه الأول عن تأثر الرومانسيين الإنجليز بالشعر الشرقي من لدن وردزورث وكلردج إلى بيرون وشيلي وكيتس.
وفضح أخذ اندرو مارفيل في قصيدته The Garden (الحديقة) من قصيد المتنبئ شعب بوان (مغاني الشعب) في جزء آخر من المرشد وعقد مقارنة لقصيدة وليم بليك وصف فيها النمر بين فيها أخذ بليك من وصف المتنبئ للأسد:
أمعفر الليث الهزبر بسوطه…الأبيات.
كان عبد الله-رحمه الله- ناقدا أصيلاَ كما أسلفنا، تصدى للمقولة الشائعة عن غياب الوحدة العضوية في القصيدة العربية في مواطن كثيرة. قرأت كتاب أدونيس:الثابت والمتحول: بحث في الاتباع والإبداع عند العرب فغاظني أيما إغاظة إذ روح التحامل على الإسلام فيه واضحة، ولقد شفا غيظي عبد الله في رده المفحم عليه في المرشد.
يرى البروفيسور-رحمه الله-أن القصيدة العربية تنتظمها روح واحدة من مطلعها إلى منتهاها وله بحث ممتع قيم بعنوان (مطالع النسيب في الشعر العربي) إن لم تخني الذاكرة. وقد أفاض في شرح وحدة القصيدة العربية في المرشد في أحد أجزائه.
وعلى ذكر وحدة القصيدة، فقد كان يميل إلى رأي حمزة القارئ الذي كان يعد القرآن كله بمنزلة السورة الواحدة، واستشهد بالروابط القوية بين خواتيم السور وفواتح السور التي تليها في ملاحظة ذكية فليرجع إليها من أراد في جزء المرشد الثالث في صفحاته الأول. وإذا شاء فليقرأ هذا الجزء كله فقد عقد عبد الله-رحمه الله- فيه باباَ ممتعا في الرمزية والرموز: بدأها برموز الأنثى والبرق والحمام وفيه سياحة ممتعة في الأدب والتاريخ العربي والميثولوجيا وفيه آراء جديدة طريفة تبناها. ففي حديثه عن المرأة يرى أن المرأة كانت اله العرب المقدم في باب العبادة الوثنية، ألهوها من أجل الخصوبة، وهو يرى أن عادة وأد البنات إنما كانت من بقايا تلك العبادة وليس نفاة للعار كما هو مشاع إضافة للعامل الاقتصادي. ويستدل للسبب الوثني بقوله تعالى( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم) وللعامل الاقتصادي بقوله(ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق).
ولن نمل من الاستشهاد بالمرشد إذ هو بلا أدنى شك عندي أفضل كتاب في النقد الأدبي في عصرنا الحديث، ولم يزد د. طه حسين على أن نبه إليه. بل لا شك عندي أن عبد الله أكبر ناقد عربي في عصرنا الحديث ولا تغرنك الأسماء.
كان عبد الله –رحمه الله-مع محبته للعروبة والإسلام محبا للسودان حبا صوفيا، وكان يرى فيه بركة وخصوصية، وأوشكت أن تجلب له محبته تلك تهم الوسوسة. كان يرى أن هجرة الصحابة الأولى إنما كانت للسودان وله شواهد ذكية مقنعة في ذلك.
وغلّط المعري إذ جعل عنترة من أهل النار في كتابه الساخر الناقد (رسالة الغفران) ورد بأن تمني رسول الله (ص) رؤية عنترة يشي بفضله واستحقاقه الجنة.
وكان كثير الفخر بأبي عثمان "الجاحظ" إذ كان يراه نوبياَ وكذلك كان يشير إلى بلال عليه الرضوان.
وتعاطف مع كافور وربما تعجب من هرب المتنبئ على ظهر ابل بجاوية، قال المتنبئ يحمد لتلك الإبل ويشكر لها أن مكنته من الفرار:
ألا كل ماشية الخيزلى
فدى كل ماشية الهيذبى
وكل نجاة بجاوية خنوف
وما بي حسن المشى
ولكنهن حبال النجاة
وكيد العداة وميط الأذى
ضربت بها التيه ضرب القما
ر إما لهذا وإما لذا
أكثر من استشهاده بالشعر الشعبي السوداني في نافذة القطار وفي سلال اللامعقول وكان يستهويه (الجابودي) وكتب الأحاجي السودانية للأطفال بعد أن نقحها لتلائم "ذوق العصر" وكتب سمير التلميذ وأمثاله بروح فكهة مرحة. وأخبرني-رحمه الله-بأنه كتب رواية اسمها نوار القطن في زمن الاستعمار منعت.
كتب بين النير والنور وظاهره عن نيجيريا ولغة تداعي المعاني فيه ساحرة آخذة وباطنه معرفة مدهشة لاسيما بالأدب الروائي الغربي. سمعت لأول مرة عبر ذلك الكتاب بالكاتب التونسي محمود المسعدي إذ علق عبد الله على روايته( السد ) وقرأت بعد حين رواية المسعدي (حدث أبو هريرة قال) فوجدتها أقوى نص روائي عربي غير منازع، لا تقل لي (نوبل) وصاحبها ولا (ياطر) حنا مينا ولا حتى موسم الهجرة على إحسان الطيب صالح فيها.
فسر عبد الله-رحمه الله- القرآن بأسلوب سهل جامع أخذ بأحاسن التفاسير وترك مواضع الهنات فيها. وقرب ذلك إلى السامع. والتفاسير أنواع كما تعلمون وقد كتب محمد الغزالي أو على الأصح أملى كتاباَ في أيامه الأخيرة عنوانه(كيف نتعامل مع القرآن) أوضح فيه بأنه قلما تخلو مدرسة من مدارس التفسير من مآخذ. وعلى مدرسة التفسير بالمأثور أخذ الغزالي رحمه الله امتلاءها بأحاديث ضعيفة مثلما هو الحال في تفسير ابن كثير. والطبري كما يرى الغزالي تفسيره أرقى وأدق من ابن كثير، ومن ابن كثير أخذ سيد قطب. والغزالي بعد أن ترك الاخوان اتسع أفقه وصدره. جاء الخرطوم في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، حضرت محاضرته الرسمية بقاعة الصداقة وحضرت مدارسة له بعد صلاة الظهر بمسجد الجامعة فوجدته صحوياَ. وكتب كتابه القيم السنة النبوية بين أهل الرأي وأهل الحديث. ولو تحدث أحدنا عن هنات في تفسير ابن كثير أو ابن حجر لاتهم بالزندقة من أولي اللحى التي ليتها كانت حشيشاَ.
كان أتباع محمود محمد طه يستدلون بتفسير ابن كثير لـ(إذا النجوم انكدرت)على بطلان التراث وضرورة اطراحه جملة واحدة. وكان الصادق عاصماَ لنا، إذ سلك بنا سبيلاَ يبسا لا نخاف دركا ولا نخشى غرقا.
رجع الحديث: كان عبد الله-رحمه الله- حجة في القراءات مثلما هو حجة فيما عداها، وكنت أعشق حديثه وتفسيره،( وأرنا مناسكنا بفتح الراء وفي قراءة أخرى وأرنا بكسر الراء) وكانت راؤه فيها ما يشبه اللثغة وكنت أحبها. وكان حديثه الدارج حلوا كأنما هي دارجة غير التي نتكلمها.
كان الدكتور أحمد الطيب-رحمه الله- يسميه شاعر العرب. أخذني ديوانه أغاني الأصيل فحرفت بيتا منه ليصير:
ألا ليت شعري أي عفريت جنة
أتاحك هذا (الشعر) يا بن المساجد
كان عبد الله-رحمه الله- سهلا، قابلته قبل عشرين عاما (تقريباَ) في منزله في أوائل سنواتي بالجامعة، ناقشته في بعض قضايا الأدب وسألته عن إهدائه في نافذة القطار. يقول الإهداء:
إلى لميس التي بين الدوحتين تميس
وما هي إلا غادة قد ألفتها
لدى النيل بين الدوحتين تميد
هنالك أوطاني وبدلت غيرها
ألا إن أوطان الرجال قيود
ألا إن دار الفكر وهي سعيدة
لداري وإني عندها لسعيد
فيا ليت شعري هل لميس كعهدها
ولم تتبدل من لميس عهود
سألته إذ حسبت أن الأبيات إنما هي إهداء واعتذار إذ كانت الأبيات-على الأقل حينها- تشي بأنه يتحدث عن لميس سودانية أو عن السودان وقيوده في مقابل دار الفكر-أوربا- ومن تمثلها! أجابني ضاحكاَ: عبد الله رجب فسر دار الفكر بجامعة الخرطوم وأنا صغت ذلك شعراَ ولن أفسره لك!.
رحم الله عبد الله الطيب المجذوب.
د.عبد الرحمن الغالي الجعلي
نشر بصحيفة الأيام يونيو 2003

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق